عهده المهدية فاستغاث بعبد المؤمنين بن علي أمير دولة الموحدين فأغاته وفلك حصار المهدية سنة ٥٥٥هـ وولى عليها الحسن بن علي الصنهاجي وأشرك معه. حتى استأثر بالحكم وأنشأ دولة الموحدين. - دولة المرابطين ولهذا كانوا ذا بأس شديد، وقد رأينا موقفهم مع الفاطميين ضد غيرهم، ليتأكد أن الصراع في المغرب الأقصى كان بين قبائل زناتة والصنهاجيين، وكان الكرة لزناتة من بين الأسباب التي جعلت صنهاجة الجنوب مؤسسة لدولة المرابطين، وأطلق على القبائل الصنهاجية اسم الملثمين، أما عن سبب تلثمهم، وثانيها كما ورد في الحلل الموشية إنهم آمنوا بالرسول وكانوا قلة فاضطروا للهرب لما غلبهم أهل الكفر فتلثموا بقصد التمويه، فخالفهم إلى مضاربها وهي خالية إلا من النساء والأطفال والشيوخ فأمر الشيوخ النساء بأن يرتدين لباس الرجال ويتلثمن، ففر الأعداء، وهكذا اتخذوا اللثام سنة يلازمونه وارتقى عندهم إلى مستوى العقيدة، لما حووا إحراز كل فضيلة استوطن المتلثمون المنطقة الصحراوية الممتدة من غدامس شرقا إلى المحيط الأطلسي غربا ومن جبال درن شمالاً إلى أواسط الصحراء الكبرى جنوبا. وهو في عودته التقى في مدينة القيروان الشيخ المذهب المالكي هناك، وطلب منه أن يرسل أحد تلاميذه إلى الغرب في صنهاجة ليعلم الناس دينهم فرفض تلاميذه جميعهم فأرشده إلى أحد تلاميذه الذي رشح له عبد الله بن ياسين الجزولي، الذي أخذ في وعظ الناس وإرشادهم، غير أنهم بعد أن التفوا حوله واستمعوا له عادوا وأنكروا عليه ما نهاهم عنه، فتركهم، وأقام في جزيرة بالقرب من الشنغال رباطا يتنسك فيه ويتعبد استجابة لطلب يحيى بن عمر، حتى بلغ عددهم ألفا، فقال لهم: أخرجوا فأنتم المرابطون، ويقال كما ذكر ابن خلكان أن يوسف بن تاشفين هو الذي ستى أصحابه المرابطين (۱)، فخرجوا للجهاد جميعا وجاءته من صنهاجة قبائل كثيرة، فعزوا بلادا كثيرة وفتحوها من أفريقيا السوداء وكان هو رئيسهم الديني ويحيى بن عمر رئيسهم الحزبي، وظلوا ينشرون الدين الإسلامي حتى توفي يحيى بن عمر وخلفه أخوه أبو بكر، فعاد ليصلح ذات بينهم فاستعمل على الغرب الأقصى ابن عمه يوسف بن تاشفين، والقسم الشمالي تحت قيادة يوسف بنتاشفين، الذي كان قائداً شجاعاً محتكا فيني السهول والمدن، ومن أشهرها مدينة مراكش سنة ٤٥٤هـ، وافتح فاس والجزائر وطنجة، ثم أرسل للخليفة العباسي في بغداد يعلن طاعته له، ومن شدة قوته خاصة في القرن الخامس الهجري، الذي كان قائدا كأبيه في الجهاد والفتح . إلخ. وابن عربي الحاتمي وابن سبعين هم كذلك من رجال هذا العصر أو عصر الموحدين وكبار اللغويين والنحاة والمفسرين والمقرئين فضلاً عن مؤرخي الآداب والشعراء والكتاب، هم ممن لا يأتي عليهم العد، ولا يتسع المقام حتى لذكر المشاهير منهم. فهل هذا هو الاضمحلال المتحدث عنه؟ لقد كان أساس دعوة المرابطين العلم، وعليه قامت دولتهم. وإن رحلة يحيى ابن إبراهيم الكدالي التي تمخضت عن دخول عبد الله بن ياسين إلى الصحراء الأعظم دليل على ذلك. وكانت نزعة عبد الله إلى علم الفقه والدين أقوى منها إلى أي علم آخر، فغلب هذا الميل على الدولة، ومن ثم بن وهيب فرقي إلى منصب وزير لعلي بن يوسف، ولكن هذا لا يعني أن اضطهاداً فكرياً كان ينال غير هذا الصنف من العلماء أو إن حقوقهم كانت كان تقديمها للفقهاء واختصاصها لهم دون من عداهم من أرباب المعارف المتنوعة برغم ما صار إليها من جيوش العلماء والفلاسفة من جراء فتح الأندلس وضمها إلى الأيالة المغربية. ولم يكن هؤلاء يطمعون في القرب من الدولة قرب حظوة على مهدي الموحدين محمد بن تومرت واستولى خليفته عبد المؤمن بن علي القيسي (1) على دولتهم، ليعلنن بذلك قيام دولة الموحدين. إن معظم أعلام الفلسفة والطب هم ممن عاشوا في هذا العصر (1) أو تبغوا بعده فالرشدية إذن هذا المذهب الفلسفي الذي هو طابع الحياة الفكرية الأندلسية، إنما ظهرت في هذا العصر الذي يزعم صاحبنا أنه عصر اضمحلال الأندلس. وقل مثل ذلك أيضاً في الميمونية، وهي فلسفة موسى بن ميمون التي نسجت على منوال الرشدية في التوفيق بين العقل والدين بالنسبة لليهودية، وأعلام الفقه والتصوف مثل ابن رشد الكبير وأبي بكر بن العربي ما يقول المؤرخون؛ إلا أن يتلبس أحدهم بلباس الفقهاء وعلماء الدين كما فعل مالك وفيما عدا ذلك فإن كل العلماء كانوا قائمين بنشاطهم الفكري لا يعترض سبيلهم معترض. وأي خير في أن تجعل مقاليد الحكم بعد الفقهاء وهم أحق الناس بها وأولى: إذ كانوا حملة الشريعة التي هي قانون البلاد ودستورها المقدس؟ ثم إن اصطناع الدولة لنوع خاص من العلوم كثيراً ما كان ظاهرة ملحوظة في غير ما دولة من دول الشرق والغرب، فلم يعب عليها بل اعتبر من أسباب نهضة ذلك العلم، وخيراً وبركة على رجاله والمشتغلين به. على أن اهتمام المرابطين بعلوم الدين كان يزينه وصف شريف وخلق نبيل هو تشعه بالروح السلفي أنشأ هذه الدولة أبو عبد الله محمد بن تومرت المعروف بالمهدي (1) وكان ورعا ناسكا متقشقا، وكان شديد الإنكار على الناس فيما يخالف الشرع، وكان الناس يزيدون في أذاء، فكان يرحل من مكان إلى آخر، ثم مصر، ثم إفريقيا، حتى انتهت إلى مدينة المهدية إحدى مدن إفريقيا، الذي سمع بعلمه فأكرمه في جملة الفقهاء، ويصحبه إلى تلمسان والتف حولهما الناس حتى مات بن تومرت سنة ٥٢٢هـ، متخذا تسمية الموحدين (1) شعارا، وتولى ابنه تاشفين الحكم، وكان يخشى منازلة عبد المؤمن الذي تابعه حتى حاصره في مدينة وهران سنة ٥٣٩هـ ومات فيها، ومنذ هذا التاريخ بدأت مدن المرابطين تسقط الواحدة تلو الأخرى، حتى سيطر على المغرب كله من طرابلس إلى المحيط. وظلت هذه الدولة ذات قوة كبرى بعد وفاة عبد المؤمن سنة ٥٥٨هـ ثم ابنه يوسف (ت ٥٨٠هـ ) ثم ابنه يعقوب (ت (٥٩٥هـ) وفي عهده كانت هزيمة الإسبان ونصارى أوربا كلهم في موقوعة الأرك ٥٨٧هـ، غير أن الهزيمة كانت في جانبه، ثم دارت الحروب وثارت الفتن بين أهل البيت الموحدي، إلى أن قضى المرينيون سنة ٦٦٨ على دولة الموحدين بالتزامن مع سقوط مدن الأندلس الكبرى في أيدي الإسبان. ذكر قبائل الموحدين ومن سواهم من سائر البربر والمصامدة رعية لهم وتحت أمرهم - سبع قبائل، وهي قبيلة تسمى هرغة، ثم قبيلة عبد المؤمن، وهي قبيلة كثيرة العدد جمة الشعوب، ثم جدميوه، وليست كلها بل بعضها - رعبة. ثم من استجاب للموحدين من قبائل صنهاجة، ثم بعض قبائل هسكورة. يدعى هذا النهر أم ربيع عليه قبيلتان، وأخرى صنهاجة وهما من المصامدة وآخر بلادهم الصحراء التي تسكنها قبائل المتونة ومسوفة وسرطة وهؤلاء ليسوا مصامدة؛ فهذا حد بلاد المصامدة عرضا؛ وحدها طولا من الجبل المعروف بـ درن، إلى البحر الأعظم المسمى أقيانس؛ وجزولة، ولقطة، وجنفيسة، وهنتاتة وهزغة، وقبائل أهل تينمل؛ وحول مراكش قبائل منهم أيضا، وهم: هزمير، وهيلانة وفزرجة يدعونهم الموحدون بالقبائل؛ ثم يجمع الكل جنس البربر، والمر، والروم، وقبائل من المرابطين، وغيرهم. ثم من ذكرنا من الموحدين صنفان فالصنف الأول يدعون الجموع، وهم المرتزقة الذين يكونون بمراكش لا يبرحونها، والصنف الآخر يدعون العموم، وعدد المرتزقة. وهذا البيت البليغ المفرد، البلاد من الموحدين وأصناف الجند. في هذا كل شيء. نعم، لقد قال فيه كل شيء. أليس قد مدحه بالشجاعة والتفوق فيها، حتى نفي عن غيره أن يكون هاراً عطفيه مثله، في الوغى المرتفعة بين السيوف اللامعة؟ وانظر أنت إلى رشاقة هذا التعبير وما فيه من الحسن والجمال، أليس يدعو إلى الإعجاب بحسن خلق عبد المؤمن (1) قبل الإعجاب بحسن خلقه وبرشاقة قده واعتدال مشيته قبل شجاعة قلبه وثبات جاشه؟ وفوق هذا وذاك أليس قد دعاه بالخليفة؟ وهذه هي الأمنية الحلوة التي طالما تمناها ملوك الإسلام وحلموا بها في منامهم، والغاية التي لا قبلها ولا بعدها أن ينعتوا بالخليفة، فيكونوا ظل الله في أرضه ووارثي سر النبوة وواضعي أيديهم على رقاب ملايين البشر. لذلك فعبد المؤمن الناقد البصير يحق له أن يشير على السمعاني بالاقتصار من القصيدة على مطلعها هذا لأنه كما قال قد جمع كل شيء يمكن أن يقوله شاعر في ملك ذي صولة وبأس مثل عبد المؤمن، وهو من جهة أخرى خشي أن يدرس البيت ويضيع في تضاعيف القصيدة فإبقاؤه على حاله من الفردية أدعى إلى حفظه وسيره وتخليده في الناس. وإكرام أهله وإحلالهم منه المحل اللائق بهم، وإدرار الصلات الطائلة عليهم؛ ففي كل رحلة، وفي كل احتفال عيد وغيره، وفي جميع المظاهر العادية وخلافها والمقابلات الرسمية والمواقف العامة، كان يجلس إلى الشعراء، فمن أندلسيين إلى مغاربة إلى أفارقة ومنهم إلى مصري وشامي وعراقي وغيرهم، يحاورهم ويساجلهم فينشرون عليه من عقود مدائحهم كل نفيس غال فيحسن الاستماع إليهم ويسر من ثنائهم عليه وينتقد هذا ويقرظ ذاك، تحيز الكل ويفيض عليهم من سيب عطائه ومجر نواله. وهنا يحسن أن أورد القارئ ما ذكره صاحب المعجب في وصف احتفاله والمدينة الباقية إلى اليوم ووفد عليه وجوه أهل الأندلس للبيعة كامل مالقة وغرناطة ورندة وقرطبة وإشبيلية وما و إلى هذه البلاد، وكان يوم عظيم اجتمع فيه من وجوه البلاد ورؤسائها وأعيانها وملوكها من العدوة والأندلس ما لم يجتمع لملك قبله، واستدعى الشعراء وكان على بابه طائفة أكثرهم مجيدون، وتعلمت أيامه أن تعد لا وجد الهداية صورة فتشكلا ولابن حبوس هذا قصائد كثيرة. وكان حظيا عنده، قال في أيامه ثروة. وكذلك في أيام ابنه أبي يعقوب، وكان في دولة المتونة مقدما في الشعراء، فهرب إلى الأندلس، ولم يزل بها مستخفيا ينتقل من بلد إلى بلد، حتى انتقلت الدولة المرابطية ). الهرب ؟ وأنشده ابن الشريف المعروف بالطابق المرواني: ما للعدا جنة أوقي من فقال عبد المؤمن إلى أين؟ إلى أين؟ رافعاً بها صوته فقال الشاعر : أين المفر وخيل الله في الطلب ؟ 1 تحدث عن الروم في أقطار أندلس وقد رمته سماء الله بالشهب والبحر قد ملأ العبرين بالعرب فلما أتم القصيدة قال عبد المؤمن مثل هذا تمدح الخلفاء! وأنشد ابن سيد الإشبيلي الملقب باللص (1): غمض عن الشمس واستقصر مدى زحل أني رأي شخصه العالي فلم يزل (۳) فقال له عبد المؤمن لقد أثقلتنا يا رجل فأمر به فأجلس وهذه القصيدة من خيار ما مدح به لولا أنه كثر صفوها بهذه الفاتحة. وأنشده في ذلك اليوم الوزير الكاتب أبو عبد الله محمد بن غالب البلنسي المعروف بالرصافي كان مستوطنا مدينة مالقة من البسيط لو جنت نار الهدى من جانب الطور قبسنت ما شئت من علم ومن نور ليلا لسار ولم تشبب المقرور نور الهداية تجلو ظلمة الزور صوام هاجرة، قوام ديجور غزو على الملك القيسي منذور (1) من كل زهراء ثم ترفع ذوابتها فيضية القدح من نور النبوة أو ما زال يقضمها التقوى بموقدها نور طوى الله زند الكون منه على الحركة الأدبية ونفاق سوقها في هذا العصر الزاهر، والعرب والبربر : فأخصبت الأفكار وتفتحت العقول وأنت الآداب والفنون أكلها الشهي وثمرها الجني. أما الفضل في ذلك كله فإنه يرجع إلى عبد المؤمن وحده إلا فعله، واستحدث في ذلك أساليب خاصة به، أما في هذا العصر (1) فقد اتسعت دائرة انتشارها وتخلفت لدينا بعض الآثار التي تدل على أن هناك نهضة حقيقية كانت تتدرج بهذه العلوم في مدارج التطور والتقدم، ففي خصوص علم النحو ظهرالنحاة الذين كان لهم مقام كبير، وتسمى أيضاً المقدمة الجزولية، وبعضهم يسميها القانون والاعتماد، وكابين معط صاحب الألفية النحوية التي عمل ابن مالك الفيته على مثالها، بل إن التفوق في هذا العلم أدى إلى وجود مدارس نحوية هنا وهنالك، وهذه مدرسة سبتة التي تخالف الجمهور في ضم الفكرة المقصودة إذا لونت اضطراراً. وهذه مدرسة طنجة التي توجه أسئلة تحوية إلى مدرسة إشبيلية، وذلك في - احفظوا عني ولو آية أشار. له العلامة ابن الغايات نحو قوله عليه السلام غازي. ولا يحفظ الإنسان من اللغة حوشيها إلا وذلك أضعاف أضعاف محفوظه من مستعملها». فلم يفهم الوالي معناها حتى استحضر كتب اللغة؛ الصحاح وغيره. هذا إلى ما وضعه الأندلسيون من تأليف عديدة أخذت عنهم بالمغرب والأندلس وكان لها رواج يستتبع بالطبع رواج فنها، فإن هذه وإن كانت قد اخترعت في الأندلس ولقيت من أمراء العهد المرابطي كأبي بكر بن تاقلويت كل تشجيع إلا أنها إنما بلغت أوج الكمال في هذا العصر (1). ونجد سابق هذه الحلبة الوزير أبا بكر بن زهر قد اختص بالخليفة يعقوب المنصور وحظي عنده حظوة لا مزيد عليها، هو اصطناع للفن نفسه ينم عما وراءه من إعجاب وتقدير، كما يشعر به كلام المراكشي في المعجب الذي امتنع عن رواية شيء من موشحات ابن زهر لأن العادة لم تجر بإيراد الموشحات في الكتب تماماً كما ينظر بعضهم اليوم إلى هذا الشعر الحر. فتقريب الموحدين للوشاحين واحتفالهم بهذا الفن من القول؛ إذ الناس على دين ملوكهم كما يقولون، وانظر إلى هذه الجزئية التي رويت عن السيد أبي عمران موسى بن محمد بن يوسف بن عبد المؤمن وإلى إشبيلية، فقد أنشد له من شعره قوله يخاطب الأديب أبا الحسن بن حريق يستحته على نظم الشعر في عروض الخبب: هذا وينو الآداب قضوا فقصورك عنه من العجب بطو محلك في الرتب فإن منها يظهر أن هؤلاء الأمراء كانوا يوجهون الأدباء ويقترحون عليهم ما يقولون وكيف ينظمون ومثل هذه الجزئية رويت عن المنصور نفسه (1). وما قبل في التوشيح يقال في الزجل ويزاد أنهم في فاس اخترعوا وزناً جديداً منه سموه عروض البلد ونوعوه إلى أنواع كل نوع منها له اسم، فاستحسنه أهل فاس وولعوا به وتركوا الإعراب الذي ليس من شأنهم، وكثر شيوعه بينهم، واختلفت أسماؤها باختلاف ازدواجها وملاحظاتهم فيها (1). ومضموناً من حيث وضعت له اسماً جديداً هو عروض البلد ونوعته إلى أصناف تندرج تحت هذا الاسم العام، وإن كان لكل صنف منها اسم خاص بحسب الغرض الذي يتناوله. فذكر منهم این شجاع التازي والكفيف الزرهوني والنماذج التي أعطاها من أزجالهم هذه، ترينا كيف تطور موضوع الزجل فأصبح يستوعب أهم الأغراض الشعرية الحماسة والحرب والمدح والوصف والوصايا والحكم، بعد أن كان قاصراً أو يكاد على الحب والخمر، والطبيعة والزهر. في المغرب. لأنه أدب الطبقة العامية، نظمته هي أو نظمه لها أفراد يحسنون الإعراب. ولكنهم تركوه قصد الإبلاغ، لا لكونه ليس من شأنهم كما مر عن ابن خلدون آنفاً، ويدل على ذلك قول الصفي الحلي في كتابه العاطل الحالي الموضوع في الزجل وقد تعرض لذكر الزجال المغربي المعروف بابن غزلة ونصه: وقد كان ابن غزلة الشاعر المغربي وهو من أكابر أشياخهم، ينظم الموشح والمزنم فيلحن في الموشح ويعرب في الزجل تقصداً واستهتاراً، ويقول: إن القصد من الجميع عذوبة اللفظ وسهولة السبك. وكان الوزير ابن سناء الملك يعيب عليه ذلك، ولهذا لم يثبت شيئاً من موشحاته المزينة في دار الطراز. واللحن هو المعتاد في الأزجال اذا نظمها الخاصة من الأدباء يتركونإعرابها مجاراة للعامة، بل إنهم كثيراً ما يتركون الأعراب حتى في الموشحات تسهيلاً لها وتصليحاً، فعمل ابن غولة ليس بدعاً في هذا الشأن، ولكن تمرين الموت الأهل فاس بكونهم ليس من شأنهم الإعراب هو الذي ليس له محل من الاعراب . وابن غولة هذا هو من زجالي عصرنا الذي تتكلم عليه، وكان عاشقاً لأخت الخليفة عبد المؤمن التي تسمى رميلة فيما يقول الحلي، ونظن أنها ابنة الخليفة لا أخته، ومن موشحاته الموشحة الطنانة الموسوعة بالعروس التي نظمها في عشيقته. وقتله الخليفة يسببها لتوهمه من مطلعها وما يليه الاجتماع بها، والواقعة مشهورة وعدم اجتماع كلمة الرؤساء والمحاربين من جراء غرور الناصر وخيانة الأندلسيين له، وجمعه من الأعداد فلم يأبه المقاتلة الأندلس الذين كانوا أعرف من غيرهم بثغور العدو، وأبصر بمواطن الضعف من بلاده وهم حيث لم يستشعر وجودهم، على زعم الحلي. وكانت هي أيضاً جليلة القدر جميلة الحلق فصيحة اللسان تنظيم الأرجال الرائعة الفائقة ). ويبقى العصر الموحدين أن فيه وضع أول تاريخ تعرفه عن المغرب حاملاً هو كتاب المعجب في تلخيص أخبار المغرب لعبد الواحد المراكشي الأمر الذي سيصبح تقليداً متبعاً في الكتب التي توضع بعده في تاريخ عصر المرينيين: وهي مثال القوة والعظمة، ورفعة السلطان، وجرت فيها سنة الكون، وتقوضت دعائمها، وسرعان ما سقطت فانتثر بموته عند رجالات الموحدين، وظهرت خيانة رؤسائهم في إقامة والضغط على إرادته، كذلك ظهرت طباعية الولاة الذين أطلقوا أيديهم في أموال الرعية وأمتعتها، ونبغ دعاة الفتنة في كل صفع وقبيل، وسلك المفسدون إلى الشر كل سبيل. أما الأندلس فلا تسل عما نزل بها من الويلات والمحن، إنه انقسمت على نفسها، وتغلب الأشقياء فيها على الأطراف، وانبرى العدو إليها ثانياً يسوم أهلها الخسف والعذاب.