٥) الفجوة بين الشمال والجنوب إحدى أكثر المشكلات استعصاءً في ميدان العلاقات الدولية، هي الاستقطاب القائم بين البلدان الصناعية المتقدمة في النصف الشمالي من الكرة الأرضية، وأقل البلدان نموًّا التي ضربها الفقر في النصف الجنوبي. والدولة «المتقدمة» النموذجية من نصف الكرة الشمالي هي التي تتمتع بنمو اقتصادي قائم على الاكتفاء الذاتي في جميع القطاعات الصناعية؛ القطاع الأول والقطاع الثاني والقطاع الثالث. وفي المقابل تتسم أقل البلدان نموًّا بانخفاض ناتجها المحلي الإجمالي، ونجاحها في تحقيق نمو اقتصادي قائم على الصادرات. فقد استطاعت استغلال مزايا انخفاض تكاليف العمالة لديها عن تكاليف العمالة لدى البلدان الصناعية المتقدمة، وضمت إلى ذلك نظامًا اقتصاديًّا ليبراليًّا عالي التنافسية (في المقابل عادةً ما تحكمها نظم سياسية سلطوية، وقد أثبتت الإحصاءات الاقتصادية لعام ٢٠٠٦ نجاح «النمور» الاقتصادية؛ إذ بيَّنت — على سبيل المثال — أنَّ نَصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في هونج كونج أعلى من مقابله لدى ألمانيا وكندا وبلجيكا وفرنسا، ويفوق نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في سنغافورة مقابله في أستراليا وإيطاليا. وتقع هونج كونج وسنغافورة وتايوان ضمن أعلى ٢٠ في المائة من البلدان ذات القوة الشرائية الأعلى. والأكثر إذهالًا أن هونج كونج وسنغافورة تحتلان المركزين الأول والثاني بالترتيب في مؤشر الحرية الاقتصادية الذي يُقاس على أساس عشرة مؤشرات لكيفية تقييد التدخل الحكومي للعلاقات الاقتصادية بين الأفراد. وتقع كلٌّ من سنغافورة وماليزيا وكوريا الجنوبية وتايوان ضمن أعلى ١٠ في المائة من البلدان المتمتعة بأكبر معدل نمو اقتصادي بين عامي ١٩٩١ و٢٠٠١. تبدو البلدان الأفقر ضمن أقل البلدان نموًّا حبيسة حالة إفقار دائمة. ويقع ما لا يقل عن ١٦ بلدًا من البلدان العشرين صاحبة أقل ناتج محلي إجمالي للفرد في أفريقيا. والعديد من أقل البلدان نموًّا تكون معدلات النمو السنوي لدخل الفرد فيها تحت الصفر. ويقدِّر الديموغرافيون أن تعداد سكان العالم سينمو عن الإجمالي الحالي له (في ٢٠٠٦) الذي يتعدَّى ستة مليارات نسمة إلى ما بين ١٠ و١٢ مليار نسمة عام ٢٠٥٠، اعتمادًا على ما إذا كان معدل الخصوبة العالمي سيستمر في الانخفاض أم لا. ويُعزى ذلك إلى أن نصف الكرة الجنوبي — إلى جانب معدلات المواليد المرتفعة ومعدلات الوفيات المنخفضة — سيتعرض إلى «قوة دفع سكانية» نتيجة احتوائه على عدد كبير من النساء على أعتاب سن الإنجاب، يكون الأثر على الأداء الاقتصادي مدمرًا؛ إذ تصبح الأُسَر غير قادرة على إعالة نفسها، والعامل الرئيسي الثالث الذي يهدد بقاء السكان المدنيين ذاته في مناطق متعددة من نصف الكرة الجنوبي، تفاقمت محنة بلدان نصف الكرة الجنوبي إلى أبعد حد؛ إن عملية العولمة التي تتيح للأسواق المالية وأسواق الاستثمارات أن تباشر عملها على الصعيد الدولي — نتيجة إزالة القيود وتحسين الاتصالات في المقام الأول — والتي تسمح للشركات بالتوسع ومباشرة عملها على الصعيد الدولي، وأقل البلدان نموًّا في نصف الكرة الجنوبي. لأنها عندما تختار فعلًا إقامة مصانعها لدى أقل البلدان نموًّا، ويروق لبعض المعلِّقين التشديد على المزايا المزعومة لمسألة «الاعتماد المتبادل» بالنسبة إلى أقل البلدان نموًّا. والواقع أن البلدان التي تنتج سلعًا يوجد طلب كبير عليها في البلدان الصناعية المتقدمة — مثل النفط والغاز الطبيعي — هي الوحيدة ضمن أقل البلدان نموًّا التي يُرَجَّح أن تستفيد من العولمة. أما بقية أقل البلدان نموًّا فقد زاد اعتمادها على المعونة؛ لأنها إذا اعتمدت على إنتاج منتج زراعي بسيط فحسب — مثل القهوة أو الموز — فستظل ببساطة حبيسة شِراك الفقر إلى الأبد. إذا اعتمدت أقل البلدان نموًّا على صادرات المنتجات الزراعية إلى نصف الكرة الشمالي، فستجد نفسها أمام تدابير الحماية التجارية التي تتخذها الدول الغنية، التي تحول فعليًّا دون استفادة أقل البلدان نموًّا من منظومة التجارة العالمية، والأكيد أن اتفاقية جلين إيجلز لعام ٢٠٠٥ لوزراء مجموعة الثمانية، التي استهدفت إلغاء قدر كبير جدًّا من ديون أقل البلدان نموًّا؛ ليس ثمة حل بسيط لمشكلة الفجوة المتسعة بين الشمال والجنوب. وتمثَّل آخر جهد جاد حقًّا يُبذَل لتصميم استراتيجية تنمية دولية شاملة في عمل اللجنة المستقلة لقضايا التنمية الدولية، إذ تقوم ركائزه على ليبرالية اقتصادية معدَّلة لملاءمة الاحتياجات الخاصة لنصف الكرة الجنوبي. ويذهب التقرير إلى أنه على منظومة التجارة العالمية تعديل قواعدها؛ حتى تمكِّن أقل البلدان نموًّا من الحصول على عائد منصف من صادراتها. وذهب برانت أيضًا إلى أن المعونة الأجنبية ينبغي أن تُوَجَّه بمزيد من العناية؛ بحيث تساعد متلقِّيها على التحوُّل إلى المزيد من الاكتفاء الذاتي الاقتصادي، وبحيث تمدُّ أقل البلدان نموًّا بالمزيد من العون في مجال بناء القدرات؛ على سبيل المثال: من خلال توفير الخبرات التقنية والتدريب التقني، وكانت أحد أهم النتائج التي توصلت إليها اللجنة هي أن المنظمات غير الحكومية العاملة في مجال التنمية الدولية تضطلع بدور رئيسي، حتى يمكنها التعاون في شراكات أكثر فعالية على الصعيد الدولي. وجميع تلك الدروس صالحة بالقدر ذاته اليوم، وإن كانت جهود كبيرة قد بُذِلَت بغية تحسين التعاون الدولي فيما يتعلق بقضايا التنمية، إلا أنه من باب التضليل الجسيم — بل عدم الأمانة — التظاهر بأن جميع الحلول الجزئية المحتملة لمشكلة تخلف النمو، هي رهن إشارة نصف الكرة الشمالي والمنظمات الدولية الحكومية. فالأمر منوط بالزعماء السياسيين والمواطنين والنظم القانونية لأقل البلدان نموًّا، وإنما بتواطؤ سلطات الدولة. وأي معلومات ترِد عن أعمال خطرة منافية للقانون يرتكبها مسئولون — بما في ذلك تحويل المعونات عن وجهتها الأصلية بصورة غير قانونية — لا بد من الإبلاغ عنها وتقصِّي أمرها بدقة،