مبحث تمهيدي: تعريف التحكيم وطبيعة إتفاق التحكيم: - يُعد التحكيم اليوم أداة حيوية في النظام القانوني الحديث، والتحكيم هو عملية قانونية يتم فيها تعيين محكم أو أكثر للفصل في نزاع بين طرفين أو أكثر، حيث يُسمح للطرفين بإختيار المحكمين وتحديد القواعد والإجراءات التي سيتبعونها، والتحكيم الآن في المجتمعات المعاصرة يعمل في ظل نظام قانوني كامل، وإذا كان المشرع في كل من مصر وفرنسا قد أضفى الطابع القضائي على حكم التحكيم، فإن الفقه قد اختلف في آرائه حول الطبيعة القانونية، فـظهرت أربع نظريات رئيسية حول الطبيعة القانونية للتحكيم: النظرية العقدية، سنقوم بتوضيح موقف الفقه في تحديد الطبيعة القانونية للتحكيم على أساس هذه النظريات بشكل متتالي. وبعد ما تقدم سنقوم ببيان تعريف التحكيم والخلاف الفقهي حول طبيعة التحكيم في مطلبين: المطلب الأول: تعريف التحكيم المطلب الأول: تعريف التحكيم:- ) والتحكيم في الدلالة اللغوية يعني " إتفاق أطراف علاقة معينة، وهو بهذا المعنى يفيد إطلاق اليد في الشيء، أو التفويض في الأمر للغير في فض النزاع بين المتخاصمين وإجازة حكمه فيما بينهم" ( ) ، ويعهدون إليهم بمقتضى إتفاق مكتوب، والتي من الممكن حسمها بطريق التحكيم وفقا لمقتضيات القانون والعدالة وإصدار قرار قضائي ملزم لهم( ). في القانون عرف المشرع الفرنسي في التعريف العام للإتفاق التحكيم في المادة 1442 من قانون المرافعات على أن " اتفاق التحكيم يكون على شكل شرط التحكيم أو مشارطة التحكيم، وهو الاتفاق الذي يتعهد بموجبه الأطراف في عقد واحد أو عدة عقود على إحالة المنازعات التي يمكن أن تنشأ فيما يتعلق بهذا العقد أو بهذه العقود إلى التحكيم، بمقضي اتفاق الطرفين، منظمة أو مركزا دائما للتحكيم أو لم يكن كذلك، وعرف " إتفاق التحكيم " بأنه " اتفاق الطرفين على الالتجاء الى التحكيم لتسوية كل أو بعض المنازعات التي نشأت أو يمكن أن تنشأ بينهما بمناسبة علاقة قانونية معينة عقدية كانت أو غير عقدية، و يجوز أن يكون اتفاق التحكيم سابقا على قيام النزاع سواء قام مستقلا بذاته أو ورد في عقد معين بشأن كل أو بعض المنازعات التي قد تنشأ بين الطرفين، كما يجوز أن يتم اتفاق التحكيم بعد قيام النزاع ولو كانت قد أقيمت في شأنه دعوى أمام جهة قضائية، تعليق الباحث أولا: يؤخذ على المشرع المصري في وضع تعريف للفظ "التحكيم" يجعل منه مقيدا وجامدا ولا يمكن التوسع فيه، والباحث يرى الأخذ بالاتجاه الذي يرى بأن تحديد المفاهيم والتعريف هو من عمل واختصاص الفقه لا التشريع. ثانيا: في التفرقة بين التشريعين: حيث يركز القانون الفرنسي على شكلي التحكيم" شرط ومشارطة التحكيم"، ويولي القانون الفرنسي أهمية خاصة لمفهومي " الشرط ومشارطة التحكيم"، في حين أن القانون المصري يركز بشكل أكبر على تعريف إتفاق التحكيم بشكل عام. فذهب الأستاذ (( موتولسكي )) إلى تعريف التحكيم ، وفي الاتجاه نفسه عرف الأستاذ (( جين روبرت ))، يتم سلب المنازعات بها من الخضوع لولاية القضاء العام، وقد عرف في ذات الاتجاه أيضا، بمهمة الفصل في المنازعات القائمة بينهم، هو تعريف جامع مانع، كما يشير إلى المرونة والاستقلالية في عملية التحكيم، مما يعكس مزايا هذا النظام في حل النزاعات بطرق ودية وسريعة. عند القضاء ذهبت الغرفة المدنية الأولى بمحكمة النقض الفرنسي في حكم لها، في مجال التحكيم في عقود الإدارة، إلى أن التحكيم يتمثل في سلطة القرار التي يعترف بها لطرف ثالث والتسليم بصفة قضائية لقرار المحكم( ). تعليق الباحث يلاحظ على هذا الموقف القضائي الصادر من مجلس الدولة الفرنسي، على أنه يضفي طابع الإلزامية على قرار محكم ويجعل منه قرارا حاسما ومنهيا للخصومة طالما أن الأطراف قد اختارت استبعاد القضاء واللجوء إلى هيئة تحكيمية من اختيارهم للنظر في النزاع. وركيزته اتفاق خاص يستمد المحكمون منه سلطاتهم( ). تعليق الباحث حيث كلاهما فيه جمود للتعريف، ويرى الباحث بأن ما ذهبت إليه من فتوى المحكمة الدستورية هو تعريف جامع مانع وهو ما يعكس فعالية التحكيم كوسيلة مرنة لحل النزاعات. وشغلت حيزا في كتابات الفقه القانوني، فإتجاه يسلم بطبيعته العقدية، وآخر سلم بطبيعته الإجرائية، وآخر أخذ بالطبيعة المختلطة. أولا: الطبيعة العقدية للتحكيم يذهب أنصار هذه النظرية إلى أن اتفاق الأطراف حول التحكيم، ويعتبر مظهرا لسلطان إرادتيهما، وذلك من أجل حل نزاعهما عن غير طريق القضاء العام في الدولة( ). فاتفاق التحكيم من وجهة نظر هذا الاتجاه، إذا أن التحكيم يجد أساسه في إرادة أطراف النزاع على عرض نزاعهم أمام محكم أو محكمين للفصل فيه، تقدير نظرية الطبيعة العقدية للتحكيم وكون تلك الإرادة هي مصدر اتفاق وحكم التحكيم، وهو رأي منتقد لدى بعض الفقه، والذي يرفض إسباغ الصفة العقدية على اتفاق التحكيم كونه ليس جوهر التحكيم( ). رأي الباحث إنما يكشف عن إرادة القانون في موضوع النزاع وليس إرادة المتعاقدين، وعندما يفصل المحكم في النزاع إنما يطبق إرادة القانون لا المتعاقدين. ثانيا: الطبيعة الإجرائية للتحكيم لأن مسألة تحديد القانون الإجرائي الواجب التطبيق على التحكيم تتمتع بأهمية كبيرة جداً، تعليق الباحث ورأيه مع اختلاف الأساس المباشر للولاية القضائية، فالأساس المباشر عند القاضي هو القانون، وقواعد إجراءات المحاكمة المأخوذة مبدئيا من قانون الإجراءات، وهو ما يسمى بمبدأ الاختصاص بالاختصاص( ). ثالثا: الطبيعة القضائية للتحكيم( ) أنه إذا كان التحكيم يبدأ بعقد، وإستند أصحاب هذه النظرية على أساس تركيز النظر والإعتماد على ” طبيعة مهمة المحكم” فهم ينظرون إلى التحكيم من حيث المهمة الموكلة إلى المحكمين، وهو الفصل في النزاع، والأحكام التي تصدر تعتبر أحكاما قضائية، فالمحكم يؤدي وظيفة قضائية وما يصدر عنه هو حكم بمعنى الكلمة، فلا يملك تعديل الحكم أو أن يرجع فيه أو أن يصدر ما يخالفه( ). كما يرى أيضا أنصار هذه “النظرية القضائية” أن التحكيم نوع من أنواع القضاء، فهذه الأخيرة لم تحتكر وحدها سلطة الفصل في المنازعات التي تنشأ بين الأفراد، والجماعات، إلا أن المحاكم الدنيا لم تساير هذا الاتجاه، وأشارت في أحكامها المدنية إلى أن التحكيم يعتبر قضاء استثنائياً يملك فيه المحكم سلطة ذاتية مستقلة للفصل في المنازعات التي يطرحها الخصوم ومجلس الدولة الفرنسي يعترف منذ زمن طويل بالصفة القضائية لحكم المحكم( ). فقد اعتنقت محكمة النقض المصرية هذا الإتجاه عندما قررت في بعض أحكامها، وما يصدر خارج المحاكم، ) تقدير نظرية الطبيعة القضائية للتحكيم أن وظيفة المحكم تختلف عن وظيفة القاضي، لأن وظيفة القاضي عامة غايتها حماية الخصوم والمراكز القانونية، والمحكم شخص ليس له صفة عمومية يتم اللجوء إليه للفصل في نزاع معين، فضلا عن أن بعض القوانين الوضعية لا تجيز تنفيذ حكم التحكيم إلا بعد المصادقة عليه أو إعطائه الأمر بالتنفيذ، رابعا: الطبيعة المختلطة للتحكيم يذهب أنصار هذه النظرية إلى أن التحكيم يقوم على أساس طبيعتين تجتمعان في نظام واحد، من خلال التأثيرات المتعاقبة في هذا النظام، أي أن يتم النظر إليه من خلال فكرة العقد وفكرة القضاء، فيتم ترجيح الطبيعة العقدية فتبرز الصفة التعاقدية على التحكيم، ويتم ترجيح الطبيعة القضائية فتبرز الصفة القضائية. أو بمعنى آخر فالأولى تجسيد لمبدأ سلطان الإرادة عند اتفاق الأطراف على التحكيم، فيكون التحكيم عندهم ذو طبيعة مزدوجة أو مختلطة. تقدير نظرية الطبيعة المختلطة للتحكيم إذ أن حجيته تثبت لحكم التحكيم بمجرد صدوره، أما القوة التنفيذية لا يحوزها حكم التحكيم إلا بصدور أمر قضائي( ). خامسا: الطبيعة الراجحة