رأينا الشعر العربي في القرن الرابع وما بعده يصيبه تصنع شديد؛ وكأنما سدَّت أمامهم جميع الطرق التي يمكن أن يجتازوها إلى مراحل فنية جديدة، فراحوا يعقدون في وسائل التصنيع القديمة أو يستعينون بوسائل من التكلف للثقافة، ولكن هذه الوسائل قلما أحدثت في الفن طرافة. ولعل أهم شاعر يصور لنا تعلق الشعراء بها في القرن الرابع هو المتنبي، فقد كان يشغف باستعارتها في شعره يحاول أن يغرب بها على سامعيه، وأن يأتي لهم بشوارد يتجادلون فيها ويختصمون وهو أحمد بن الحسين الْجُعفي نسبة إلى عشيرة جعفي اليمنية، ولد بالكوفة سنة ٣٠٣ للهجرة بِحَارة بني كندة لأسرة متواضعة، كمقامِ المسيحِ بين اليهودِ ـهُ غريبٌ كصالحِ في ثمودِ وربما لقب بذلك لفطنته في الشعر ونبوغه٢. وابن خالويه، وفعلًا حظي بإعجابهم جميعًا. فلم يعد يعنى بالألفاظ الغريبة والمعاني البعيدة؛ إنما عني بالموضوع نفسه، فإذا هو يؤلف ملاحمه التي خلدت اسمه واسم سيف الدولة جميعًا، ويظهر أن غروره المسرف الذي كان يصوره في شعره السالف لم يزايله في سلوكه وإن زايله في أشعاره فحقد عليه كثير من الملتفين حول الأمير، وكان من بينهم من ينفس عليه مكانته منه وعطاياه الجزيلة، وعلى رأسهم أبو فراس الحمداني الشاعر المعروف ابن عم سيف الدولة وأحد أبطال معاركه الحربية. وكانت تحدث مشادات بينه وبينهم١. فتغير سيف الدولة عليه، وكان ينتهز فرصة الرثاء حين يتوفى بعض أقرباء الأمير ليعبر عما في نفسه من حزن وأسى؛ يا أختَ معتنقِ الفوارسِ في الوغى .