ما المقصود بتحقيب الأدب العربي ؟ يقصد بالتحقيب، وهذا التقسيم قضية من أبرز القضايا التي مازال يشتعل الخلاف حولها حتى يومنا هذا، وختاما بدراساته عن الأدباء والقضايا الأدبية في مؤلفات خاصة . والسؤال هنا لم اللجوء إلى التقسيم السياسي ؟ ولم توضع أسماء العصور وليس الأدباء ؟ وإذا كان التقسيم السياسي دقيقا، لماذا يُعد بشار بن برد من العصر العباسي الأول وهو من العصر الأموي، أي شاعر مخضرم ؟ إذا كان كذلك لم لا يعد محمود سامي البارودي من العصر العثماني قياسًا على بشار ؟ ثم هل مصطلحا القديم والحديث ثابتان؟ فلكل قديم في عصره حديث أو معاصر له، لذا فالتسمية بهما ليست دقيقة إلا من باب التقسيم المؤقت. وهل التقسيمات السياسية الموجودة في الأدب العربي توازي التقسيمات في الآداب الأخرى ؟ وهل التقسيم السياسي خاضع للحملات والحروب ؟ مما جعل بعضهم يعترض على جعل الحملة الفرنسية على مصر بداية للعصر الحديث واعتبار انتصار أكتوبر عام 73م بداية للعصر الحديث، فإذا كان انتصار أكتوبر بداية للتأريخ الأدبي الحديث لم لا تعد انتصارات العرب والمسلمين الكبرى محطات لهذا التقسيم ؟ إذن فمعايير التقسيم وهذا الوضع تفتقر الثبات . لقد ظهرت عدة مناهج ونظريات لتقسيم الأدب العربي، من أبرزها : النظرية المدرسية، وتقوم على تقسيمه إلى خمسة عصور أدبية، وهي نظرية لا تقنع كل حاجة البحث ولا تروي ظمأه . والفتوحات، وبذا تفضي هذه النظرية إلى رفضها وتجاوزها . غير أن هذه الدراسة وفق هذه النظرية لم تكن منهجًا سليمًا كاملًا يثبت على النقد، وكان لها مؤيدوها ؛ كالشام ومصر والمغرب، وهذه الدراسة لا تفضي إلى نتائج خصبة، ولا تؤدي إلى غاية تتلاءم مع واقع الحياة الفنية التي لم يستطع فيها الأدب العربي أن يكون إقليميا قط . ومن أوائل من ألف فيها حسن توفيق العدل في كتابه تاريخ الأدب، وكان كتاب الوسيط للإسكندراني هو المعتمد في مدارس وزارة المعارف بمصر، وقد قسم تاريخ أدب اللغة العربية ) على الأشهر ) إلى خمسة عصور 1- عصر الجاهلية 2- عصر ابتداء الإسلام . 3- عصر الدولة الأموية . 4- عصر الدولة العباسية والأندلس . 5- عصر الدول المتتابعة إلى هذا العصر. ويرى عدد من الأدباء والمؤرخين أن التاريخ الأدبي وثيق الصلة بالتاريخ السياسي والاجتماعي لكل حضارة، والانقلابات الاجتماعية واتفق أكثر كتابنا أن يقسموا تاريخ أدبنا إلى خمسة أعصر. ومن خلال ما سبق نجد الاتفاق على أثر السياسة في التقسيم كعامل مشترك يأتي معها العامل الديني تارة، والعامل الاجتماعي تارة أخرى، وهي كأنما وقفت عند المعنى اللغوي للتأريخ بأنه التوقيت، فوقتت الأدب بهذه الأحداث الضخمة، كما التزم المؤرخون التقسيم الخماسي لهذه العصور، واتفقوا على العصر الجاهلي كفترة مستقلة سياسيا واجتماعيا ودينيا، والاختلاف ظل مستمرًا في بقية العصور حتى العصر الحديث وتحديد بداياته . كذلك نجد الارتباط بين الشرق والغرب في هذا التقسيم السياسي الذي ربط الأندلس بالعصر العباسي. وقد سلطنت هذه النظرية وهذا التقسيم السياسي في مظهرين : الأول : التزام وزارات المعارف في الأقطار العربية لهذا التقسيم في مدارسها، أما من أيد هذا التقسيم فله حججه، والعصر العباسي حتى السلاجقة، وفي عالم دويلات السلاجقة كان حضور الخلافة العباسية رمزيًا في الأمارات، وأورد مؤيدوا التقسيم السياسي عددًا من المميزات، من أهمها : 1- أن معرفة التاريخ وظروف العصر تعين الباحث على فهم الأدب، من الخصائص التي تميز التقسيم السياسي عن غيره 1- دراسة مدى تأثير العمل الأدبي أو صاحبه بالبيئة الزمانية والمكانية ومدى تأثيره فيهما . 2- دراسة الأطوار التي مر بها فن من الفنون الأدبية . 3- معرفة مجموعة الآراء التي أبديت في عمل فني أو في صاحبه للموازنة بين هذه الآراء . 4- التأكد من نسبة النص لقائله، ليتمكن من التمييز بين النصوص الأدبية حسب خصائص عصرها . كما ظهر عدد من منتقدي هذا التقسيم السياسي، ففي العقد الثاني من القرن العشرين كان النقد العنيف لهذا التقسيم السياسي، من غير تحقيق ولا تثبيت فجنوا على الأدب العباسي؛ ومن الكتاب ابن العميد وابن عباد والصابي ومن الفلاسفة الفارابي وابن سينا وابن لوقا، أن يكون عصر رقي ونهضة لا عصر ضعف وانحطاط في العلوم والآداب . وفصل ما بين الأدب والسياسة من تبعية، ويطالبون بضرورة العناية بالظاهرة الأدبية فيما وراء العنصر