المحاضرة الأولى: مدخل إلى حوار الحضارات إن من يتأمل في الواقع الثقافي والفكري وكذلك الفلسفي زيادة على الواقع الدولي سيجد عناية واهتماما واسعا للحوار وقضاياه وسيقف في الوقت نفسه على عدد واسع من المفاهيم المتداولة في مختلف المنابر ليتأكد وجود شعور ووعي بأن كل القضايا التي تثقل كاهن الوعي الإنساني الراهن يمكن حلها وتبديدها بالحوار فلقد صار الحوار والدعوة إليه هو المنفذ الذي يولج من خلاله لتبديد الخلافات وتسهيل الصعاب، الأمر الذي يدفع إلى هذا التساؤل هو ما يمكن أن يلحظه المهتم من قوة حضور الأبعاد المصلحية وحضور الاقتناعات الأيديولوجية والرغبة في السيطرة وبسط النفوذ الأمر الذي يفرض على الذات العارفة الناقدة تصور اقتناع عام مفاده أن دعوات الحوار أو على الأقل بعضها مجرد ذرائع خطابية، وينبغي تحقيقها من خلال مقاربة موضوع حوار الحضارات ودراسته وذلك لأن تحديد الهدف هو وحده كفيل يضبط طبيعة تناول الذات الدارسة لمختلف القضايا التي يوحي بها الموضوع. وفي ضوء ما تقدم وربطا بما أشير إليه بداية بما سيلحق فإن كل الحقول المعرفية أو كل المجالات العلمية ترى لها موطئ قدم وزاوية نظر في قضية الحوار، فعلى سبيل المثال قد يعتبر حقل علم الاجتماع أنه أحق المجالات المعرفية ارتباطا بالقضية لاهتمامه بقضايا الثقافات وتطورها واهتمامه بالوعي بذلك فيعلن أنه يستطيع الوصول إلى إبراز أهم الجوانب المتصلة بموضوع حوار الحضارات. هذا في الوقت الذي قد ترى فيه الفلسفة أنها أقرب إلى إدراك كنه البعد المعرفي الحوار الحضارات من خلال ما تتصوره من أسئلة وما تطرحه من إشكالات في أفق البحث عن الأجوبة الممكنة لما توحي به قضية حوار الحضارات من أسئلة وإشكالات. ومن غير شك كذلك أن مجال الفن والأدب واللغة قد تجد في مجالها ما ينطبق بحوار الحضارات من قريب أو من بعيد فمن غير شك أن الأدب والفن سريع الانتقال ومشدود إلى ما يعرف بالتثاقف، ولا يخفى ما لهذا الحقل المعرفي من ارتباط وثيق بمجال الدراسات الدينية أو الحقل الديني خاصة في الجانب المتصل بحوار الأديان، وهو الوضع الذي فرض على الديانات بعينها السعي إلى إبراز جوهرها من أجل تبديد مختلف الاتهامات وتصحيح نظرة الآخر للذات، والتي يعبر عنها بقوله تعالى موجها الخطاب إلى رسوله : وما أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً للعالمين) (سورة الأنبياء الآية (17) ومن هنا يمكن القول إن دعوة الحوار من المنظور الإسلامي ينبغي ألا تخرج عن إطار الرحمة التي جاءت بها الرسالة.