سبيله إلى ذلك هو أسلوب النص نفسه. ولعل خير ما نفعله هو أن نقدم بين يدي ما نحن بصدده فرضيتين تختلف رؤية كل واحدة منهما عن الأخرى. يرى بعض الدارسين أن تعدد مستويات النص يعود إلى تعدد مستوياته الأسلوبية ويفسر بعضهم الآخر تعدد مستويات الأسلوب بتعدد الفئات الاجتماعية التي يتكلم النص عنها. وكان لهذا الأمر أثره عندهم في تحديد مفهوم الأسلوب وتعريفه. وهناك أسلوب لفئة العمال، وهذه رؤية تجعل من الأسلوب أداة تعبر بها كل فئة عن أغراضها. شكل فرضية عمل فيها يحللون النص، وبها يقفون على مستويات توزيعه الأسلوبي. وقد رأوا أن انتماء الأسلوب إلى طبقة اجتماعية معينة يعطيه، بالإضافة إلى القيمة الدلالية قيمة توزيعية يُستَدَلُّ بها على الفئة الاجتماعية داخل الطبقة الاجتماعية الواحدة. وبهذا يكون النص معماراً، يمثل الأسلوب فيه الحد الفاصل بين طبقاته. وسيكون ذلك من وجهتي نظر: من وجهة نظر لسانية 1. تميز اللسانيات بين اللغة والأسلوب. وترى أن الأسلوب لغة ولكنه لغة يقيمها نظامه الخاص. أما هذه الرؤية فلا تميز بين اللغة والأسلوب. فهي تجعل من الأسلوب أداة تعبر بها كل طائفة عن أغراضها. 2. تميز اللسانيات بين تعددية الأصوات في العمل الأدبي وتعددية المستويات اللغوية في الحياة اليومية. وترى أن تعددية الأصوات في العمل الأدبي نسق تقول اللغة فيه نفسها على شكل متغيرات أسلوبية. بينما ترى أن تعددية المستويات اللغوية في الحياة اليومية أداة إيصالية تفسر حدوثها وتفاوتها قدرة المتكلمين وكفايتهم اللغوية La coempétence Linguistique من جانب، فتخلط بين تعددية الأصوات في العمل الأدبي، فهي جملة من الأمور: صوتية، والتركيب والدلالة عبارة عن متغيرات. ويمكن أن نميز بين نوعين من المتغيرات المتغيرات المتعلقة بالسياق. وهذا النوع ينقسم إلى قسمين: 1. سياق الصوت في الكلمة، فالسياق الأول صوتي ومورفولوجي، وهي متغيرات تأتي على غير توقع بالإضافة إلى أنه لا يمكن التنبؤ بها من خلال السياق، ولعل أكثر الظواهر الأسلوبية خروجاً عن المألوف، على أنه شكل لغوي تنتجه القوانين الداخلية للعمل نفسه، ولذا فهي لا ترى فيه انطباقاً على نموذج سابق أو خضوعاً لمعيار قبلي. وتخضع اللغة من جهة أخرى، أما النموذج، وعلى هذا الأساس يكون الأسلوب في لغته وصوره شكلاً لغوياً معداً سلفاً . ويكفي أن ينقله الكاتب من المجتمع أو من قاموس للتحليل النفسي أو الأسطوري، أي يعكس فيه ما يدل على النموذج. ولكن من اللغة المعيارية التي تدعي إنتاج النص. من وجهة نظر إيصالية 1. إن فكرة انتساب اللغة إلى فئة اجتماعية، والتي يتضمنها الإيصال في بعديه الاجتماعي والإيديولوجي، ليست شرطاً في حدوث الخطاب والعكس صحيح أيضاً ، وإذا كان ذلك كذلك، إنه شكل لغوي لمتغيرات لا تنتهي يولدها نظامه. قد لا يكون هدفاً من أهداف الخطاب بقدر ما يكون الأثر الذي يتركه الخطاب في نفس المتلقي هو الهدف. 3. وإذا كان إيصال المضمون من اختصاص الكلام في نقل المعنى، باتفاق يحصل بين المتخاطبين على نوع الشيفرة ودلالتها، فإن الأسلوب حدث لغوي من غير اتفاق. ولذا، فإنه في هذا لا يكون أداة لفكرة يحملها، هو الفكرة وشكلها الحامل في الوقت نفسه . وليس اللغة، يستند هو بدوره إلى منظور يوناني للبلاغة، ينقسم المجتمع بموجبه إلى طبقات، والطبقات إلى فئات بحيث يكون لكل طبقة أسلوبها ولكل فئة لغتها . ولا يخفى ما في هذا المنظور من نزعة آلية وتبسيطية في التقسيم، وتعميمية غير دقيقة في التوزيع اللغوي. النص منتسباً إلى ما يقرأ ومشتركاً معه في الوقت نفسه. فهو دليل القارئ في تعدديته وعونه في انتسابه إلى ما يقرأ أي دليله إلى الجنس الأدبي الذي يتكون النص به. لقد تكلمنا عن نوعين من أنواع الإيصال . وستتكلم هنا عن نوعين من أنواع الانتساب، إذ إن كل نوع من أنواع الإيصال، يتطلب نوعاً من أنواع الانتساب يختلف عن الآخر: أما النوع الأول، فلا علاقة له بالإبداع ومقارية الكلام فيه تقوم على أدوات لسانية بحتة، ولذا فإن الانتساب فيه، وأما الثاني فإبداعي. وهو إذ يتعامل معه، إنما يتعامل مع نص تام لا مع جمل ولذا فإن مقاربة الكلام فيه، تجليها لسانيات النص، وتفرضها لغته الخاصة أداء ومعنى. وإذا كان انتساب القارئ إلى الخطاب يعد خلقاً مستقلاً عن الكاتب المرسل، أولاً - من كائنه الإبداعي الذي يحطم الرقابة الاجتماعية أداة ومعنى ويتجاوزها. ثانياً - ويأتي من كائنه الكلامي الذي يفتح آفاق الخطاب على نصوص كثيرة لا تنتهي. ولكنها أيضاً بناء لمقول نص موجود بالقوة، لماذا كان الإيصال في مستواه الثاني أي الإبداعي، ومغموساً بجماليات متعددة تعدد القراء والحضارات والأزمنة والأمكنة والظرف واللغات. أن تنفتح أولاً على وقائع حضارية وجمالية، لأنها في تعاملها معه إنما تتعامل مع كائن كلامي تقول لغته مكونات المجتمع والتاريخ، وهي مضطرة، أن تتخلى عن فكرة في البلاغة سكونية، أخيراً، أن تتخلى عن جملة من المفاهيم والتصورات التي طرحتها الإيديولوجيات المعاصرة.