أصبح مصطلح "ثقافة" من أكثر المصطلحات شيوعا في مجال الدراسات الإنسانية والاجتماعية، بل وعامة الناس إذ يندر أن نجد هذا اللفظ في أدبيات القرن الماضي في صورته وهذه الألفاظ "اكتسبت. وحين نقلت بعض المؤلفات في العلوم الإنسانية إلى العربية في مطلع هذا القرن، نقل معها هذا المصطلح الغربي، ووضع لفظ ثقافة مقابلاً له، فالمصطلح في أصل وضعه في الغرب يعتبر مصطلحاً حديثاً وليس فقط في أدبياتنا العربية. إن شيوع لفظ ثقافة في الاستخدام هو مظهر من مظاهر أهميته، وهناك مظاهر أخرى عديدة تشير إلى هذه الأهمية، ثم تخصيص بعض البلدان وزارات للثقافة، الأمر الذي يعني أن الثقافة أصحت أمراً عاماً كالتعليم والصناعة والزراعة. والتطبيع الثقافي. الخ، وقد وصل الأمر بالثقافة أن أصبحت قضية عالمية اهتمت بها الأمم المتحدة، حيث عقدت منظمة اليونسكو الدولية UNESCO مؤتمراً عالمياً خاصاً بالثقافة من ٧/٦ إلى ۱۹۸۲/۸/۹م، وقامت جامعة الدول العربية يعقد عدة مؤتمرات للثقافة، ووضعت ما أسمته الخطة الشاملة للثقافة العربية التي أقرها وزراء ويلاحظ على مصطلح الثقافة في اللغات الأوروبية كثرة التعريفات الموضوعة له. حتى "الصبحت هذه الكلمة ثقافة) ضحية النجاح ( والانتشار) الذي حظيت به . إن هذه الكثرة من التعريفات التي يواجهها الباحث في الثقافة أمر سلبي، ومع أنه لم يتم حتى الآن الاتفاق على تعريف محدد لها، يلتزم به في كل موضوعات بحثه، ولا يجوز ولا يقبل فيما نراه من الباحث أن يتحاشي هذه المهمة الأولية والأساسية معتذراً بكثرة التعريفات الموجودة للثقافة أو بأنه لا يريد أن يضع تعريفاً فيزيد عدد هذه التعريفات واحداً، إن عليه أن يفحص هذه التعريفات كلها وأن يختار أكملها، وإن وجدها كلها ناقصة فعليه أن يضع هو تعريفه للمصطلح ونحن في بحثنا هنا ستراعي إن شاء الله - هذه الضرورة جهد الطاقة. المعنى اللغوي لكلمة "ثقافة فأصبح يقال: ثقيف وهو غلام ثقف، ويقال: ثقفته إذا ظفرت به، قال الله تعالى : ( فإما تتقفتهم في الحرب ) (الأنفال: ٥٧). وورد في شعر عدي بن الرفاع العاملي، المثقف بمعنى الذي يقوم ويهذب القصيدة الشعرية، وذلك في قوله:وقصيدة قد يت اجمع شملها النظر النقاب في كعوب قابه تريد: أنه سوى عرج المسلمين . فأدبهم وعلمهم وفي تاج العروس، للزبيدي، نجده يقول: " وثاقفه مثاقفة لاعبه بالسلاح، وهو محاول إصابة الغرة في نحو مسابقة؛ قال: وكان لمع بروقها في الجو أسياف المثاقف . يقال: لولا تثقيفك وتوقيفك ما كنت شيئاً، وهل اهليت وتثقفت إلا على يدك، كما في الأساس . ليست هي على وجه المطابقة ما يشير إليه المعنى الاصطلاحي المتداول في أفلام العصر، التحديد الذي ستضعه للمصطلح وتسير عليه ليس مقطوع النسب أو الصلة بهذه المعاني اللغوية. على أنه في هذا المقام يجدر التنبيه إلى أن معنى المصطلح ومناقشته وبناء المسائل المختلفة المتعلقة به لا يرجع فيها إلى المعنى اللغوي الوارد في المعاجم، المعنى الاصطلاحي الذي جرى وضعه والأخذ به. بعض التعريفات البارزة للثقافة هناك عدد كبير جداً من التعريفات للثقافة، يجري تداولها بين الباحثين، ولا نرى فائدة كبيرة في إيرادها هناء، لكننا لا بد أن نشير إلى أبرزها. 1 - من أقدم تعريفات الثقافة، واحد لا يزال يتردد في الكتابات حول الثقافة حتى يومنا هذا، وهو التعريف الذي وضعه ادوارد تايلور El Tyler في كتابه: الثقافة البدائية، والذي يقول: "الثقافة في الكل المعقد الذي يقسم ر المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق والتقاليد وكل الإمكانات الأخرى والعادات التي يكتسبها الإنسان كعضو في المجتمع . وقد أسم هذا التحريف العديد من العلماء الذين وضعوا تعريفات مشابهة له. ومن هذه التعريفات البارزة التي لا تعدم الصلة بتعريف تايلور، عام ١٩٨٢م، والذي يقول: الثقافة بمعناها الواسع يمكن أن ينظر إليها على أنها جميع السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية التي تميز مجتمعنا بعينه أو فئة اجتماعية بعينها، وهي تشمل الفنون والآداب وطرائق الحياة، هذا التعريف قائلاً:" إن الثقافة هي التي تمنح الإنسان قدرته على التفكير في ذاته وهي التي تجعل منه كاتاً يتميز بالإنسانية المتمثلة في العقلانية والقدرة على النقد والالتزام الأخلاقي وعن طريقها نهندي إلى القيم وتمارس الاختيار، وهي وسيلة الإنسان المتعبير عن نفسه والتعرف على ذاته کمشروع غير مكتمل، وإبداع أعمال يتفوق فيها على نفسه الله. ولا نرى ونحن توطى للوصول إلى تعريف للثقافة الإسلامية ترتضيه - أن تكتفي بإيراد مثل هذه التعاريف دون نقد وتقويم، فكيف إذا أردنا الإلمام بكل هذه القطاعات أو الميادين الواردة في هذه التعريفين؟ ثم إن هذين التعريفين لا يبينان لنا ولو بطريق الإشارة - أي هذه الأجزاء أو الميادين التي تتألف منها الثقافة هو الأهم، وأيها هو الأقل أهمية في تشكيل الثقافة وتحديد سياتها، ذلك أن هذا القصور يجعل فهمنا الحقيقة الثقافة قاصراً من جهة. كما يجعل فهم المشكلات الثقافية، مثل: التنمية الثقافية أو الغزو الثقافي أو الهوية الثقافية. الخ أمراً عسيراً. على المستوى النظري أولاً ومن ثم على المستوى العملي في أرض الواقع. تقدماً أو الخلفاً، صلاحاً أو فساداً، صواباً أو خطأ. وهي التي تصبغ وتجد في تفسير اليونسكو للتعريف الذي أقرته هذه المنظمة للثقافة، ما يشير إلى أن في أذهان واضعي هذا التعريف - سواء جاء ذلك بصورة واعية مقصودة أم غير مقصودة - أن تكون الثقافة بديلاً عن الدين، وهذا التوجه في التفكير الغربي له ما يبرره لديهم، ولا يصعب التدليل عليه، فهم ينطلقون من منطلقات علمانية، تحت الدين جانباً، وكان لا بد لها من وضع بدائل للمدين تقوم بوظائفه الأساسية، فكان مصطلح "ثقافة " أحد هذه البدائل، هذا التوجه الاحظه إذا استبدلنا الفظ "دين" أو بلفظ "ثقافة" في التفسير، وقرأناه بعد ذلك، فستجد 1 أن المعاني ) لفظة "دين" وتستقيم، وكذا الحال التفسير تنسجم مع : المقدمة في مع لفظة "عقل". وهذا يعني، من الناحية المنهجية، فضلاً عما تقدم، أن التعريف الموضوع لا يتصف بالتميز، فهو لا يميز الثقافة : على غيرها من المفاهيم الأخرى. وهناك تعريف آخر للثقافة لا تستطيع العماله لصفته الرسمية وهو التعريف الذي وضعته المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، التابعة الجامعة الدول العربية. وقد حدت لجنة الخطة الشاملة للثقافة العربية حذو اليونسكو في تقديم تعريف وتفسير للتعريف وجاء التعريف والتفسير في جملتهما صورة معربة عن تعريف وتفسير اليونسكو، فلم يات هذا التعريف معبراً عن روح الأمة العربية والإسلامية. وما يتصل بها من المهارات أو يعين عليهما. من الوسائل، بها، معينة عليها مستعينة بها . وتشمل مجموعة المعارف والقيم والالتزامات الأخلاقية المستقرة فيها وطرائق الفكير والإبداع الجمالي والفني والمعرفي والتقني وسبل السلوك والتصرف والتعبير وطرز الحياة كما تشمل أخيراً تطلعات الإنسان للمثل العليا ومحاولة إعادة النظر في منجزاته،