كان جنكيز خان (ومعنى الإسم ملك ملوك العالم) قد نجح في بناء إمبراطورية مترامية الأطراف امتدت حدودها من شواطئ بلاد الصين شرقا حتى منطقة البحر الأسود وبحر قزوين غربا، وعلى الرغم من محاولات السلام بين الجانبين فإن أسباب النزاع الكامنة لم تلبث أن فرضت نفسها. والتي استسلمت بسرعة مماثلة لما حدث في بخارى وانتهى ذلك النضال بهروب السلطان واختفائه في جزيرة نائية بعد أن قتل الجانب الأكبر من جيشه على يد المغول . وظلت الحرب سجالا دون نتيجة حاسمة حتى مات جنكيز خان في أغسطس ۱۲۲۷م وهو في سن الثانية والسبعين تاركا لخلفائه إمبراطورية مترامية الأطراف تم فتحها بحد السيف. في تلك الأثناء كان الخلاف قد دب بين السلطان جلال الدین خوارزم شاه والخليفة العباسي الناصر لدين الله، وبعد هذا التاريخ بسنوات ثلاث كان المغول قد قضوا تماما على مملكة جلال الدين خوارزم شاه الذي اختفي هربا من سيوفهم . بيد أن الظروف التاريخية السائدة في المنطقة العربية كانت تبدو مواتية تماما للطموح المغولي ؛ فالخلافة العباسية أشبه بالرجل المريض الراقد على ضفاف الرافدين، كما أن سلاجقة فارس والعراق قد ساروا جزءا من التاريخ ولم يعد لهم وجود حقيقي، أما دولة سلاجقة الروم فكانت متاعبها الداخلية أكبر من قدراتها، كذلك فإن الأيوبيين في بلاد الشام كانوا على حال من التشرذم والأنانية السياسية تمنعهم من القيام بأي جهد حقيقي . وتبقى دولة سلاطين المماليك التي كانت تعاني مشكلات الشرعية السياسية وانتقال السلطة، وعلى الرغم من كل مظاهر الضعف التي بدت واضحة على الخلافة العباسية فإن مكانتها كانت راسخة في وجدان المعاصرين بالقدر الذي يجعلهم عاجزين عن تصور العالم بدونها. وفي تلك الأثناء كان أمراء الأيوبيين في الشام فريسة للعجز والذعر وسارع الناصر يوسف حاكم دمشق وحلب إلى إرسال سفارة برئاسة ابنه إلى هولاكو معلنا خضوعه الذي حاول أن يؤكده بالهدايا والتحف الفاخرة كما طلب مساعدة التتار في أخذ مصر من أيدي المماليك. في تلك الأثناء مات منكوخان كبير التتار و كان على هولاكو العودة إلى بلاده للمشاركة في اختيار الخان الأعظم الجديد. وعندما تم اختيار أخيه قوبيلاى تقبل الأمر ببساطة ولكنه لم يرجع إلى قيادة جيشه الذي تركه ببلاد الشام تحت قيادة قائد مسيحى على المذهب النسطوري، وعلى الجانب الآخر كانت قوات الناصر يوسف الأيوبي المرابطة بالقرب من غزة قد أثرت الانضمام إلى الجيش المصري بقيادة المظفر سيف الدين قطز، وهرب الناصر في قلة من أتباعه بحثا عن ملجا يحميه بعد أن خسر جيشه وعرشه. حينئذ وصلت رسل هولاكو إلى القاهرة ومعهم خطاب منه يفيض غطرسة ويأمر قطر بتسليم البلاد، ويبدو أن الخوف من التتار كان بمثابة القيد الذي أقعد عدد من الأمراء والجنود عن الخروج لملاقاة العدو، فقال لهم: يا أمراء المسلمين لكم زمان تاكلون من بيت المال، فلما رأى الأمراء مسير السلطان وعزمه على الحرب خرجوا وهم في حال من التردد وخرج قطر بجيشه في رمضان عام ٦٥٨هـ / أغسطس ١٢٦٠م، وأمر الأمير ركن الدين بيبرس أن يقود عسكره ليكونوا مقدمة الجيش إلى غزة لكي يعرف أخبار التتار. ثم رحل عن طريق الساحل إلى مدينة عكا التي كانت ما تزال تحت سيطرة الفرنج، وأقسم لهم أنه متى تبعه منهم فارس أو رجل يريد أدى عسكر المسلمين رجع إليهم وقاتلهم قبل أن يلقى التتار. فمنهم من أشار بعدم الالتحام بقوات السلطان سيف الدين قطر حتى يأتي مدد من هولاكو، كما كانت بمثابة تأكيد الوجود العسكري والسياسي لدولة سلاطين المماليك من ناحية أخري وإذا كانت معركة المنصورة، فقد كانت غاية ما يهدف إليه أمراء المماليك الذين تولوا قيادة الجيش المصري أن يدفعوا خطر التتار بعيدا عن حدود دولتهم؛ بيد أن تداعيات الحرب جعلت الجنود المصريين والشوام يستأصلون شافة جيش التتار من بلاد الشام أيضا. وكانت النتيجة النهائية لهذه المعركة الحاسمة توحيد مصر وبلاد الشام تحت حكم سلاطين المماليك على مدى ما يزيد عن مائتين وسبعين سنة. وفي صباح يوم المعركة إمتلأ الوادي بالجنود والناس الذين كانوا قد توافدوا متطوعين للحرب أو للقيام بالخدمات التي يحتاجها الجنود عادة، وهو أمر كان شائعا في تلك العصور التي لم تعرف جيوشها أسلحة الخدمات التي تعرفها الجيوش الحديثة. وصرخ بأعلى صوته : وإسلاماه وحمل بنفسه وبمن معه حملة صادقة، وانهزم الباقي وسقطوا بين قتيل وأسير أما الصبي الذي أبقاه السلطان من بين رسل التتار وضمه إلى مماليكه كان راكبا وراءه في المعركة، فلما التحم القتال وجه سهمه نحو السلطان محاولا قتله لكن السلطان نجا وقتل الصبى على الفور، وعلى الرغم من شدة القتال فإن النصر حالف جيش المسلمين لأن الإعداد لهذه المعركة كان جيدا. ولقد طبقت القوات المصرية مبدأ المفاجأة على المستوى الاستراتيجي بنقل ميدان المعركة خارج الأرض المصرية، وكان من أهم نتائج معركة عين جالوت أن تلاشت الأسطورة القائلة بأنهم قوة لا يمكن هزيمتها. كذلك فإن السلطان الظاهر بيبرس البندقداري أعاد إحياء الخلافة العباسية بالقاهرة مما جعل هذه المدينة العاصمة السياسية والعسكرية والثقافية للعالم العربي على ما يزيد على قرنين ونصف من الزمان. وترجموا سرورهم إلى مجموعة أعمال انتقامية ضد نصارى بلاد الشام لأنهم أثناء استيلاء التتار على الشام قاموا مرارا بالثورة على المسلمين وخربوا مساجد، لولا أن أرسل إليهم السلطان قطر في نهار اليوم التاسع والعشرين من شهر رمضان بتأمين الناس فهدأت الأحوال في دمشق التي صارت من أملاك سيف الدين قطز وفي يوم الأربعاء آخر شهر رمضان من تلك السنة وصل السلطان المظفر سيف الدين قطر إلى ضواحي دمشق، وفي غضون أسابيع قليلة تمكن من الإستيلاء على سائر بلاد الشام حيث أقيمت باسمه الخطبة في مساجد المدن الكبرى حتى حلب ومدن الفرات في أعالي بلاد الشام . وجعل نائبه في دمشق الأمير علم الدين سنجر الحلبي ومعه الأمير أبي الهيجاء بن عيسي الكردي. ومن مفارقات التاريخ في تلك الفترة أن السلطان المظفر سيف الدين قطز أعاد ملوك الأيوبيين أصحاب العروش الصغيرة إلى عروشهم ملوكا تابعين لسلطان مصر بعد أن كانوا يحاولون محاولات مستميتة عزل سلاطين المماليلك. وفي الوقت نفسه أخذ منه سلمية وأعطاها للأمير شرف الدين عيسي بن مهنا بن مانع أمير العرب. وعين الأمير شمس الدين أقوش العزيزي أميرا بالساحل وغزة ومعه عدد من أمراء العزيزية. وأطلقوا من معهم من الأسرى وفروا تجاه الطريق الساحلي فقتل المسلمون بعضهم، وبينما كانت القاهرة تتزين لاستقبال القائد المنتصر كان القدر يخبئ له مصيرا مأساويا على يد أبرز قادة جيشه وهو الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري، وفي الوقت نفسه بلغت مسامع الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري أنباء عن أن السلطان قطز يضمر له السوء فبالغ في الحرص. ولكن بيبرس البندقدارى بما عرف عنه من جسارة ودهاء بادر السلطان وحدث جماعة من الأمراء في قتله، وانتقلت السلطة إلى القاتل قبل أن تجف دماء المقتول دون أن يرى كبار أمراء المماليك غضاضة في ذلك.