عاشت في بيت صغير لم تمسه يد الاصلاح منذ بنته وكاله الغوث في احد معسكرات اللاجئين بين والدين كتب عليهما الشقاء والعناء والمكابده من كثره العيال وتزاحم الافواه على لقمه العيش كانت رجاء بكر ابويها في الثانيه عشره، من عمرها دفعها مرض امها الى ترك المدرسه الى غير رجعه فاستبدلت المكنسه وصحن العجين بالكتاب والكراس ووجه امها الذابل الحزين بوجه المدرسه الشاب المنفتح للحياه والمستقبل. وفي غمره الصراع المادي العنيف تفتق ذهن الوالد عن مشروع يزيد به دخل الاسره فابتاع بقره حلوبا نظير التنازل عن مصاغ زوجه الذي احتفظت به منذ زواجهما. وقد القى هذا المشروع الجديد مزيدا من المتاعب على الفتاه فكان لزاما عليها ان تذهب في رحله يوميه شاقه تحمل وعاء اللبن على راسها لتوزعه على بيوت المترفين في المدينه المجاوره. كانت الفتاه تقطع الطريق الترابي الطويل حافيه القدمين تستر جسمها النحيل باسمال باهته قديمه تتجول في شوارع المدينه وازقتها تنظر بعينين يملؤهما الحزن والانكسار الى كل ما يصادفها: واجهات المحال التجاريه. تتوجع في صمت ولقد اكسبتها مشاوبتها اليوميه مزيدا من الجلد والخبره بالحياه واحساسا متناميا بتصرفات البشر واكتنزت كل مشاهداتها في عقلها الصغير. مرت بسوق الخضروات ذات يوم فرات الحوانيت تزدان بفواكه الصيف الشهيه: العنب والبطيخ والشمام وقد نسقت بطريقه تجذب انظار الزبائن. تحسست ما بيدها من حصيله بيع الحليب فوجدت انها لا تكفي لشراء كيلو جرام واحد من العنب وبينما كان الصراع في داخلها محتدما بين الشهوه والفعل صدمتها يدها على صدغها وطيرت الشرر من عينيها وصوت اهتزت له خلايا جسمها كلها. لم تنبس بكلمه واحده فقد اذهلتها الصدمه فتنحت جانبا مبتعدا عن العيون التي ترقبها واخذت التذرف الدمع جزافا في صمت وواصلت طريق عودتها الى البيت وكلها احساس بالضعف والمهانه.