وهذا التنوع الكبير نفسه إن هو إلا دليل صارخ - فيما يزعم أنصار الوضعية الاجتماعية - على ما في تلك الأخلاق من لبس وفوضى وغموض إلا أننا نلاحظ أنها تكاد تتفق على المناداة ببعض المبادىء والتعاليم العملية . حقا إن هذه المذاهب تختلف في أجزائها النظرية ، و ولكنها تتفق فى القواعد والأحكام العملية التي تأخذ بها ، واتفاقها في هذه النقطة إنما يعنى أنها تبدأ بملاءمة الأخلاق الشائعة في زمنها ، وأنها تتخذ نقطة انطلاقها من الأخلاق العملية القائمة بالفعل ، ثم تحاول من بعد أن تصبغها بالصبغة العقلية . فهي إذن تسير سيراً طبيعياً من العمل إلى النظر ، ولو أنها لا تشعر شعوراً واضحاً بهذا الانتقال ، بدلا من أن تسير في الاتجاه العكسي ) أى من النظر إلى العمل ) . وليس المثل الأعلى الذي تستخلصه سوى إبراز للحقيقة الاجتماعية القائمة ، سواء كان ذلك في الماضي أم في المستقبل (۱) . . وإذن فإن فلاسفة الأخلاق - فيما يرى ليفي بريل . يستمدون معظم مبادئهم من الأخلاق القائمة بالفعل ، بحيث أن أخلاقهم النظرية لتبدو - في خاتمة المطا بمثابة تبرير للأخلاق الشائعة ، سلموا بها لا شعورياً أو اعتنقوها ضمنيا . رابعاً : يأخذ دعاه الأخلاق الوضعية على الفلاسفة التقليديين أنهم يستندون دائماً إلى مسلمات postulats يفترضون صحتها منذ البداية ، فهم يسلمون مثلا بأن : الطبيعة البشرية واحدة في كل زمان ومكان ، ، وهذه المسلمة وحدها هي التي تسوّغ لهم تلك النظرة العقلية المجردة إلى مفهوم و الإنسان ، وهي التي تسمح لهم بأن يستخلصوا كل ما يستخلصونه من قواعد كلية عامة . فهم لذلك يُشرعون للإنسانية قاطبة ،