العادة أن تنكسر حدة الحرارة ويتغير الجو في الأيام الأخيرة من آب حسب التقويم الغريغوري وهو ذات التقويم الذي يعتمده الفلاحون في البذار والسقاية والحصاد . ومن الأقوال التي يرددها المسنون في الأيام الأخيرة من آب ينفتح على الشتاء باب ، أما أن تأتي كثيفة متتابعة في الليل وفي النهار ، وأن تستمر كذلك لأيام متواصلة ، فإن عمّان لم تألف هذا النوع من المطر ، وإذا جاء لا تنظر إليه نظرة حسنة أو على أنه علامة من علامات الخير . كل من نظر من جبل عمان إلى مجرى النهر في ذلك الصباح لم يصدق عينيه ، فالنهر الوديع ، الأقرب إلى الخجل ، تحول فجأة إلى شيء آخر : ازداد عرضه مرات عديدة ، أما لونه فقد أصبح طينياً أقرب إلى الحمرة ، فبدا كأنه يهرول ويريد أن يصل بسرعة ! هل هو نفس النهر ؟ وهل يمكن أن يتغير بهذه السرعة ؟ قال الكثيرون : إنه الخير ، وإذا كانت الأسئلة بالنسبة للصغار أغلب الأحيان ، حسيّة تتعلق بما حولهم من أشياء وحالات ، فإن سؤال النهر كان أكبر الأسئلة وأخطرها . قالت الجدة حين سئلت كيف أصبح النهر هكذا : ابتسمت وهي تنظر إلى النهر وإلى الوجوه أمامها وتابعت : - باكر أو اللي عقبه تشوفون دجلة وتقولون اللهم صل على محمد . أما بغداد فما لها إلا الله يحميها ! وظل السؤال الوحيد في المدرسة طوال ذلك اليوم سؤال النهر . وكيف أصبح في هذا اليوم عندما رأوه في الصباح ، وكيف سيكون حين ينصرفون . وحين نظر الصغار إلى النهر من جديد كان لا يزال يهرول حاملاً معه أخشاباً وجذوع أشجار ، واستمر المطر ما تبقى من اليوم وطوال الليل . في الصباح الباكر تفقد الرجال الأسطحة وجنبات البيوت ، وفي الصباح نظر الصغار إلى النهر ، وقبل أن يسألوا قالت الجدة : وإذا صحت مثل ما جت تروح ! لازم نحضر مواعين خاف السقف يخرّ حدّت ولا يعرفون لها معنى واضحاً محدداً ، لكن اختلفوا حول معناها ! وأولئك الذين يسكنون في الضفة الأخرى من المدينة. وكان واضح القلق : راح نعطّل غداً إذا استمر المطر . المطر عطل الكثيرين عن المجئ ، ويمكن " يقطع " غيرهم ، شاب الفرح بالعطلة نوع من الخوف ، خاصة حين طُلب من التلاميذ أن يغادروا المدرسة قبل نهاية الدوام . قال الأستاذ مولود محذراً : انتبهوا في العودة : ابتعدوا عن السيول وعن السلاسل ، حتى إذا صار شيء يمكن أن تساعدوا بعضكم. دفع حب الاستطلاع الذين شاهدوا النهر من جبل عمّان فقط أن يروه من أماكن أخرى ! ورغم أن الجميع يعرفون أن في عمّان نهراً واحداً ، فقد شهد الذين أخذوا طريق السوق شيئاً عجيباً : كانت هناك أنهار عديدة أو بالتحديد كان يجري نهر من كل منحدر . والذي عُبّد في وقت مبكر ، وكانت مياه الشتاء تطفو على وجهه كلوح من البلور ، إذ تُحسَّ ولا ترى ، ثم من درج القيادة. كانت المياه عكرة سريعة ، وبعد أن تقطع المسافة لتصل إلى التقاطع مع طريق السلط ، ربما أكبر من هذا النهر ، فعندنذ لا يمكن الاستمرار في السير أو الخوض في المياه. إلى مكتبة الصفدي ، مقابل البريد ، رغم المياه المتدفقة أو المجازفة قليلاً والوصول إلى طلعة العموري ، وطغت على الشارع كله ، بحيث جعلها الانحدار تتدفق بقوة تعيق امكانية الاختراق خاصة عندما يلتف الشارع ، الذي كان في مواجهة المياه ، برغم الاحتياطيات الكثيرة التي هيئت سلفاً. ومن درج أبو جابر ثم لتجري كلها وتنحدر إلى نزلة الحمام ، فعندئذ يصبح الشعور بالخوف قوياً طاغياً، تغيير الملابس ، تنشيف الشعر ، إيقاف الأحذية بشكل عمودي إلى جانب الحائط وغير بعيد عن النار ، وأصبحوا معرضين بنفس الوقت للمرض نتيجة الرطوبة التي انغرست في العظام . لأن لديهم ما يفعلونه في البيوت أكثر وأهم مما يفعلونه في أماكن أخرى. وكانت مواعين الجدة كافية للتعامل معه ، ولمواجهة احتمالاته المتزايدة والخطرة. في مثل هذه الحالة يعمل الكبار بصمت ، أو بأقل قدر من الكلمات ، وحين يضطرون للكلام فإنهم يصدرون الأوامر ، أما الجدة التي تراقب وتقترح بعض الأحيان أكثر مما تستطيع أن تفعل أو أن تشارك فتكون مهمتها حماية الصغار وتجنيبهم المهمات الصعبة أو الثقيلة حتى إذا أخذت الأمور صيغة قد تكون مقبولة ، وبعد أن يتم تنفول العشاء في وقت مبكر وغالباً في جو من الصمت والحذر وكانت الجدة تبتعد قليلاً ساحبة معها الصغار ،