تُعرف التربية لغةً من جذر "ربا يربو"، الذي يحمل معاني الزيادة والنماء. ويتجلّى هذا المعنى في آيات قرآنية متعددة، منها "فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت" (الحج: 5) التي تدل على النمو والازدياد، وكذلك في قوله تعالى "ألم نربك فينا وليداً" و"وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً"، مما يشير إلى التنشئة والنماء الجسدي والعقلي والخلقي. بمعناها الواسع، تشمل التربية كل عملية تسهم في تشكيل عقل الفرد وجسمه وخلقه، مستثنية العمليات التكوينية أو الوراثية. أما بمعناها الضيق، فتعني إرساء المعلومات والمهارات المعرفية عبر المؤسسات التعليمية كالمدارس. ويختلف تعريف التربية ويتعدد بتغير وجهات النظر والجوانب المؤثرة فيها والمتأثرة بها. تتميز التربية الصحيحة بكونها غير مفروضة، بل نتاج تفاعل عفوي بين المعلم والمتعلم. وقد يُشار إليها أيضاً بـ "البيداغوجيا" (Peedagogy)، وهي كلمة يونانية تعني "توجيه الأولاد" (من Pais: ولد، و Ogogé: توجيه). وفي معجم العلوم السلوكية، تعني التربية التغيرات المتتالية التي تحدث للفرد وتؤثر في معرفته واتجاهاته وسلوكه، وكونها نمواً قائماً على الخبرة أكثر من كونه ناتجاً عن النضج. وعرّفتها اليونسكو في مؤتمرها بباريس بأنها مجموع عمليات الحياة الاجتماعية التي يتعلم من خلالها الأفراد والجماعات داخل مجتمعاتهم الوطنية والدولية لتنمية قدراتهم الشخصية واتجاهاتهم واستعداداتهم ومعارفهم، وهي عملية لا تقتصر على أنشطة محددة. اصطلاحاً، ورد في "الصحاح" أنها "تنمية الوظائف الجسمية والعقلية والخلقية لبلوغ كمالها عن طريق التدريب والتثقيف". وهي عملية هادفة ذات أغراض وأهداف وغايات، تتطلب خططاً ووسائل تنتقل مع الناشئ من طور إلى طور ومن مرحلة إلى مرحلة أخرى. بالعودة إلى المعنى الواسع، فإن التربية تتضمن كل عملية تساعد على تشكيل عقل الفرد وخلقه وجسمه باستثناء ما قد يتدخل في هذا التشكيل من عمليات تكوينية أو وراثية. وقد قدم مفكرو التربية عبر العصور تعريفات عديدة ومتنوعة لها، يعكس تباينها كون الإنسان عضوية مركبة ومتغيرة. من هذه التعريفات: - **أفلاطون (427-347 ق.م):** يرى أن غرض التربية هو جعل الفرد مواطناً صالحاً، ويعرفها بأنها إعطاء الجسم والروح أقصى ما يمكن من الجمال والكمال. - **أرسطو (384-322 ق.م):** يرى أن غرض التربية يكمن في أمرين: أن يعمل الفرد كل ما هو مفيد وضروري في الحرب والسلم، وأن يقوم بكل ما هو نبيل وخيّر، معرفاً إياها بإعداد العقل لاكتساب العلم. - **ابن سينا (980-1037 م):** يعرف التربية بأنها الإعداد لحياة الدنيا وحياة الآخرة. - **جان جاك روسو (1712-1778 م):** رائد التربية الحديثة في الغرب، يرى أن التربية عملية ذاتية نابعة من طبيعة الطفل، حيث على التلميذ أن يكتشف الحقائق بنفسه. - **إميل دوركايم (1858-1917 م):** يعرف التربية بأنها الفعل الذي يؤثر من خلاله الجيل الراشد على الجيل الصاعد لدمجه في الحياة الاجتماعية المنظمة. - **جون ديوي (1859-1952 م):** يؤمن بأن التربية هي الحياة نفسها وليست مجرد إعداد لها، وهي عملية نمو وتعلم وبناء وتجديد مستمرين للخبرة، وعملية اجتماعية مبنية على حل المشكلات. - **تعريف اللجنة الدولية للتربية (1972):** "التربية هي العمل المنسق المقصود الهادف إلى نقل المعرفة، وخلق القابليات وتكوين الإنسان، والسعي به في طرق الكمال من جميع النواحي وعلى مدى الحياة". - **تعريف لجنة وضع استراتيجية لتطوير التربية في البلاد العربية (1987):** "التربية هي عملية إنسانية سلوكية، اجتماعية، حضارية، تتألف في جوهرها من التعلم القائم أصلاً على الجهود الذاتية للمتعلم المتجلية في تشكيل سلوكه، المؤدية إلى تطوير شخصيته وبالتالي يساهم في تقدم مجتمعه وتمكنه من المساهمة في بناء الحضارة الإنسانية، وبهذه الصورة فهي عملية سلوكية اجتماعية غايتها القصوى خير الإنسان وخير المجتمع وخير الإنسانية جمعاء". وفي الختام، التربية هي تنمية شاملة تتعلق بكل كائن حي (النبات، الحيوان، الإنسان)، ولها أساليبها الخاصة. وتربية الإنسان تبدأ قبل مولده ولا تنتهي إلا بموته. وتعني باختصار تهيئة الظروف والعوامل التي تساعد على النمو المتكامل للفرد من جميع النواحي الجسمية، والنفسية، والعقلية، والخلقية، والجمالية.