الأدب العربي الزمان وحرسه بالوزن والقوافي وحسن النظم وجودة التحبير من التدليس والتغير (1). والكثير من الأخبار تروي تؤكد مكانة الشعر لدى العرب كخبر الأعشى والمحلق (۲). كما كان للشعر تأثير قوي على النفوس شبهوه بتأثير السحر وفي الوقت نفسه ربطوا بين الشعر والسحر والكهانة وكانوا يرون أن لكل شاعر شيطان يلهمه الشعر، وعندما عجزوا عن الإتيان بمثل آيات الذكر الحكيم نعتوا الرسول - "علمه الله " - بالشاعر والساحر لما له من تأثير في النفوس بفضل القرآن الكريم، ولهذا أثره فيما بعد في موقف الإسلام من الشعر وأي نمط شعري قبله أو رفضه. فعكس الشعر الجاهلي العادات والتقاليد الجاهلية، وعندما جاء الإسلام وأشرقت الأرض بنوره وتبدلت الحياة 1) ابن قتيبة، تأويل مشكل القرآن، ص ۱۳. (1) انظر في تفصيل الخبر: ابن رشيق - العمدة، ج ١ / ٤٨. الأدب العربي القائمة على التناحر والتنازع والتقاتل لا يجمعها جامع، يأتي الإسلام بقيم وعادات ومثل جديدة فهو عقيدة وعمل، فرض أسسا وقواعد للتعامل سواء في الحياة الدينية والروحية أو الاجتماعية والاقتصادية وغيرها. ولم يكن تأثير الإسلام على الدين فحسب وإنما كان له الأثر الأكبر على الحياة الأدبية، فقد فرض قيما وأخلاقيات غيرت من تلك العادات التي كانت مرتبطة بحياة الجاهليين القائمة على التنابز والتناحر والقتل. فتغير وجه الحياة وحلت قيم جديدة محل قيم الصراع والتنازع وكان طبيعيًا أن يتحول الأدب مع الحياة الجديدة وأن يلاقي موقفًا مختلفًا من الدين الجديد إذ تتنافى تعليمات دين الإسلام مع القيم السائدة في المجتمع الجاهلي وهنا تظهر قضية كبرى هي قضية موقف الإسلام أو الرسول من وهناك اعتقاد سائد. أن الشعر قد خبت جذوته وكسدت سوقه بعد الإسلام، فهل هذا صحيح؟ثانيا : موقف الإسلام من الشعر : كان الشعر صاحب السيادة في المجال الأدبي، ونبغ كثير من الشعراء الجاهليين حتى إذا أضاءت الدنيا بنور الإسلام وأقيمت الدولة الإسلامية تغير وجه الحياة، وأثر ذلك على الأدب فتغيرت الفنون الشعرية وبعدت عن التنابز والتناحر ، وحل محلها القول في التوحيد والدفاع عن دين الله وعن رسوله - " عليه السلام " - وبرز موضوع جديد أثار التساؤلات ألا وهو ما موقف الإسلام من الشعر، وهل حارب الإسلام الشعر أم دافع عنه؟ وانقسم النقاد إلى فريقين في هذه القضية الفريق الأول: يرى أن الإسلام قد حارب الشعر ورفضه. الفريق الثاني: يرى أن الإسلام لم يحارب الشعر، وإنما استخدمه سلاحًا يدافع به عن قيمه ومبادئه ويحارب المشركين بالكلمة التي تعودوا عليها ودرجوا على إتقانها كما حاربهم بالسلاح. ولكل فريق حججه وتفسيره لآيات الذكر الحكيم وحتى نتبين الأمر لابد من استعراض هذه الأدلة والحجج لكل فريق في ضوء دراستنا لمصادر الشريعة الإسلامية من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة. اعتمد الفريق المعارض في رأيه على آيات القرآن الكريم الخاصة بالإشارة إلى الشعر والشعراء وهي في ستة مواضع: وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونَ، .. فلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لا تَبْصِرُونَ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٥). وذلك عندما أخذت الدعوة تتجه نحو وجهة أخرى؛ وتؤكد أن شعراء مكة يقولون ما لا يفعلون، وأما فيما يتعلق بشعراء المسلمين فقد وصفتهم الآيات بأنهم على حق فهم الذين نصروا الدين الإسلامى، ولذلك فإن هذه الآيات تهاجم الشعراء الذين يحاربون الإسلام أما شعراء المسلمين فقد شجعهم الرسول عليه والله " على قول الشعر والرد على 16/111 يقول الزمخشرى في ذلك: "استثنى الشعراء المؤمنين الصالحين الذين يكثرون ذكر الله وتلاوة القرآن الكريم وكان ذلك أغلب عليهم من الشعر، وإذا قالوا شعرا قالوه في توحيد الله والثناء عليه والحكمة والموعظة، والزهد والآيات ومدح رسول الله " عليه السلام " والصحابة وصلحاء الأمة، وما لا بأس به من المعاني التي لا يتلطخون فيها بذنب ولا يتلبسون بشائنة ولا منقصة، وكان هجاؤهم على سبيل الانتصار ممن يهجوهم (1) . تح: عادل أحمد عبد الموجود على محمد معوض، د/ فتحى عبد الرحمن ط ١، مكتبة العبيكان، الرياض، ١٤١٨هـ / ١٩٩٨م، ج 4 / ص ٤٢٦. الأدب العربي وقال ابن كثير في تفسيره عن هذه الآية: " حدثنا أبي ، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن عروة قال: لما نزلت والشعراء يتبعهم الغاوون إلى قوله :" يقولون مالا يفعلون قال عبد الله بن رواحة : يا رسول الله، قد علم الله أنى منهم فأنزل الله :" إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات إلى قوله: ينقلبون". ولكن هذه السور مكية، فكيف يكون سبب نزول هذه الآية في شعراء الأنصار؟ في ذلك نظر، يتقدم إلا مرسلات لا يعتمد عليها، والله أعلم (1) . وأما ما يخص أن الشعر ينقض الوضوء، فهذا الكلام لا أصل له فما قيل من أن الشعر ينقض الوضوء يثير السخرية والاستهزاء فقد سئل ابن سيرين في المسجد عن رواية الشعر في شهر رمضان، وهل تنقض الوضوء أو لا؟ فسخر من هذا القول وأنشد: نبئت أن فتاة كنت أخطبها آية سورة الشعراء إنما تشير إلى مفهوم العرب حول الشعراء، أما القرآن الكريم فهو بعيد عن كل هذه الخيالات والمعتقدات والمفاهيم الجاهلية. لقد اهتم القرآن بقضية نفى الشاعرية عن الرسول عليه الله "، واثبات أن القرآن الكريم ليس شعرًا، وبذلك فإن الإسلام لم يحرم الشعر ولم يقلل من شأن الشعراء، وقد دلت الآيات على نفى الشاعرية عن الرسول " عليه الله " على الرغم من أن قريشا كانت تعلم أنه ليس بشاعر ولا كاهن ولا مجنون، بل إنه رسول من رب العاملين، ويكفيه " عليه السلام " رد القرآن المعجز على اتهامات وافتراءات مشركي مكة.