متنقلاً بين دروس العلم وحلقاته، واستدعاه السلطان أبو عنان، واستدعاني أبو محمد بن تافراكين المستبد على الدولة يومئذ بتونس، إلى كتابة العلامة عن سلطانه أبي إسحاق. حافد السلطان أبي يحيى في عساكره، فأخرج ابن تافراکین سلطانه أبا إسحاق مع العرب، وعمر له المراتب والوظائف وتعلل عليه صاحب العلامة أبو عبد الله بن عمر بالاستزادة من العطاء، بالقلم الغليظ مما بين البسملة وما بعدها، لما أصابني من الاستيحاش لذهاب أشياخي، فلما رجع بنو مرين إلى مراكزهم بالمغرب، نزلنا بلاد هوارة، ونجوت أنا إلى أبة (1) ؛ فأقمت بها عند الشيخ عبد الرحمن الوشتاتي، ونزلت بها على محمد بن عبدون صاحبها، وأقمت بها أياماً أترصد الطريق، حتى قدم علينا بها الفقيه محمد ابن الرئيس منصور بن مزني، ثم بلغهم الخبر بأن السلطان أبا عنان ملك المغرب، عثمان بن عبد الرحمن وأخاه أبا ثابت، وأنه انتهى إلى المدية ) ، الأمير أبي عبد الله من حفدة السلطان أبي يحيى راسله عندما أطل على بلده، وولى أبو عنان على بجاية عمر بن علي شيخ بني وطاس، من بني الوزير شيوخهم. فدخل إلينا محمد بن مزني ذاهباً إلى الزاب، ولى عليها عمر بن علي بن الوزير (4)، مولى الأمير أبي عبد الله لنقل حرمه وولده، فتمشت رجالات البلد فيما بينهم خشية من سطوة السلطان. يَحْيَاتُن بن عمر بن عبد المؤمن، شيخ بني ونكاسن من بني مرين فملكوه قيادهم، فأخرج لوقته حاجبه محمد بن أبي عمرو، وافداً على السلطان أبي عنان بتلمسان، فلقيت ابن أبي عمرو بالبطحاء (2) ، وتلقاني من الكرامة بما لم أحتسبه، ورجع ابن أبي عمرو إلى بجاية، حتى انصرم الشتاء من أواخر أربع وخمسين وعاد السلطان أبو عنان إلى فاس، فأخبره الذين لقيتهم بتونس عني، ثم استعملني في كتابته والتوقيع بين يديه، وحصلت من الإفادة منهم على البغية وكان في جملته يومئذ الأستاذ أبو عبد الله محمد بن الصفار، أخذ العلم بها عن أبي عبد الله السلاوي، ثم دعته همته إلى التحلي بالعلم، فعكف في بيته على مدارسة القرآن إلى حيث لم تلحق غايته وبنى السلطان أبو تاشفين مدرسته بتلمسان، فقدمه للتدريس بها يضاهي به أولاد الإمام. وتفقه عليه بتلسمان جماعة ؛ ولما جاء شيخنا أبو عبد الله الآبلي إلى تلمسان، عند استيلاء السلطان أبي الحسن عليها، فلزم أبو عبد الله المقري بعده مجلس ومجالس ابني الإمام واستبحر في العلوم وتفنن. ولما انتقض السلطان أبو عنان، وشيخنا الآخر أبو البركات محمد بن محمد بن إبراهيم ابن الحاج البلفيقي (3)من أهل المرية، شيخ المحدثين والفقهاء والأدباء والصوفية والخطباء بالأندلس، وسيد أهل العلم بإطلاق والمتفنن في أساليب المعارف، فوقدا به على السلطان شفيعين على عظيم تشوقه للقائهما، وجرت عليه بعد ذلك محنة من السلطان بسبب خصومة وقدت بينه وبين أقاربه، بأن يسخه إلى مجلس القاضي، بعد ذلك قضاء العساكر في دولته، أبو عبد الله محمد بن أحمد الشريف الحسني (4)، نسبة إلى قرية من أعمال تلمسان، وكان أهل بيته لا يُدافعون في نسبهم، واختص بأولاد الإمام وتفقه عليهما في الفقه، ثم لزم شيخنا أبا عبد الله الآبلي. ثم ارتحل إلى تونس في بعض مذاهبه سنة أربعين ولقي شيخنا القاضي أبا عبد الله بن عبد السلام، بما كان هو قد أحكم ذلك الكتاب على شيخنا الآبلي، فعرف له ابن عبد السلام ذلك كله، ثم هلك السلطان أبو الحسن، وزحف ابنه أبو عنان إلى تلمسان، مع من اختار من المشيخة ورحل به إلى فاس، وارتاب به ثم بلغه أثناء ذلك أن عثمان بن عبد الرحمن (4)، ثم أعتبه بعد فتح قسنطينة وأعاده إلى مجلسه، وملك أبو حمو بن يوسف بن عبد الرحمن تلمسان من يد بني مرين، وتلقاه أبو حمو براحتيه، وينى له مدرسة جعل في بعض جوانبها مدفن أبيه وعمه وأقام الشريف يدرس العلم إلى أن هلك سنة إحدى وسبعين وأخبرني رحمه الله، ومنهم صاحبنا الكاتب القاضي أبو القاسم محمد بن يحيى البرجي من (2) برجة (3) الأندلس. كان كاتب السلطان أبي عنان، وارتحل إلى بجاية في عشر الأربعين والسبعمائة وبها الأمير أبو زكرياء ابن السلطان أبي يحيى، على حين أقفرت من رسم الكتابة والبلاغة، إلى أن هلك الأمير أبو زكرياء، ونصب ابنه محمد مكانه، ثم هلك السلطان أبو يحيى، وزحف السلطان أبو الحسن إلى إفريقية واستولى على بجاية، ونقل الأمير محمداً بأهله وحاشيته إلى تلمسان، فنزل أبو القاسم البرجي تلمسان وأقام بها، ابن السلطان أبي الحسن، ولم يسم به إلى العلامة، لأنه أثر بها محمد بن أبي عمرو، بما كان أبوه يعلمه القرآن والعلم. وهلك السلطان أبو عنان، واستولى أخوه أبو سالم على ملك المغرب وغلب ابن مرزوق على هواه كما قدمناه فنقل البرجي من الكتابة، ومنهم شيخنا المعمر الرحالة أبو عبد الله محمد بن عبد الرزاق، وخبرة بأهل بلده وعظمة فيهم. فلقي القاضي أبا إسحاق بن عبد الرفيع (2)، إلى أن ولاء السلطان أبو الحسن القضاء بمدينة فاس، إلى أن جاء السلطان أبو عنان من تلمسان، استدعى شيخنا أبا عبد الله بن عبد الرزاق، ويقرأ عليه القرآن برواياته في مجلس خاص إلى أن هلك رحمه الله بين يدي مهلك السلطان أبي عنان إلى آخرين وآخرين من أهل المغرب والأندلس كلهم لقيت وذاكرت وأفدت منه، وأجازني بالإجازة العامة .