العوامل المؤثرة في التوزيع الجغرافي لسكان العالم إن الاختلاف في أنماط توزيع السكان العالم وكثافاتهم ليست وليدة الصدفة بل تنجم عن تفاعل عوامل متعددة ومتباينة تتظافر فيما بينها مؤثرة سلبا أو إيجابيا على المظاهر التي يتخذها احتلال الإنسان للمجال، ويمكن تصنيف هذه العوامل إلى عوامل طبيعية وعوامل بشرية تاريخية وأخرى اقتصادية بالإضافة إلى عوامل سياسية ودينية. أ. العوامل الطبيعية تتوافق الأجزاء الفارغة أو القليلة السكان مع بيئة طاردة لا تساعد على إقامة النشاط البشري كما تتوافق مناطق التركز السكاني مع الظروف الطبيعية الملائمة. التضاريس من الصعب القول بأن التضاريس تلعب دورا سلبيا كبيرا بالنسبة لتوزيع السكان، على الرغم من أن عامل الارتفاع يفرض حدا طبيعيا على سكن الإنسان. وبالتالي فإن حدود الاستقرار البشري تتراوح ما بين 6000 و 6500م فالمساكن القارة فوق هذه الارتفاعات لا توجد أبدا بسبب الاضطرابات التي يحدثها انخفاض الضغط الجوي. أما في العروض المتوسطية العالية فالحد الأعلى للسكن الدائم هو 2400م في الأطلس الكبير و 2000م في جبال الألب الجنوبية، وعليه فإننا نجد أن معظم السلاسل الجبلية قد عمرت من قبل الإنسان على درجات متفاوتة، فبينما نجد مناطق جبلية شبه خالية أعالي الألب والهمالايا وسلاسل الجبال الوسطى من آسيا . إلخ) نرى بالمقابل مناطق جبلية أخرى قد عمرت منذ القديم كجبال القبائل بالجزائر وجبال لبنان وطوروس وتركيا وعلى العموم فإن وعورة السطح وانخفاض الحرارة وشدة المنحدرات لا تساعد على الاستقرار البشري وبالتالي تعرقل امتداد المساحات الفلاحية والمواصلات، إلا أن بعض الأودية والممرات الجبلية تعتبر أماكن جذب أساسية للسكن في المناطق العالية، وخير مثال على ذلك سكان التبت ووديان جبال الهمالايا وسكان جبال الأنديز وخاصة في بيرو. أما المناطق عند قدم الجبل مثلا مناطق الدير في المغرب فتمتاز بكثافات سكانية مرتفعة نظراً لتوفرها على ظروف مشجعة للحياة القروية والمبادلات. كما تعتبر السهول والهضاب المنخفضة مناطق جاذبة للسكان لأنها عادة أكثر خصوبة وسهلة للزراعة والسقي. بالإضافة إلى ذلك تعد السواحل من العناصر التضاريسية المؤثرة على توزيع السكان حيث تنخفض الكثافات كلما ابتعدنا عن السواحل. تأثير المناخ المناخ عنصر هام جداً للسكن البشري من حيث التأثير المباشر وغير المباشر الذي يلعبه في حياة الإنسان واستقراره. فالمناخ يؤثر على جسم الإنسان وكذلك على التربية والبنيات والزراعة، إن الفراغات الملاحظة في خريطة العالم السكانية توافق في كثير من الحالات المناطق القطبية الشديدة البرودة والمناطق الصحراوية الشديدة الحرارة والمناطق المدارية الحارة والرطبة، فهذه المناطق تعتبر مناطق طاردة للسكان. ب العوامل التاريخية والاقتصادية وتسمى أيضا بالظروف الحضارية لمنطقة ما، وتعتبر ذات أهمية قصوى في تفسير الكثافات العالمية، وخير مثال على ذلك أندونسيا حيث تتجاوز الكثافة في جزيرة جاوا 1000 ن / كلم رغم أنها منطقة حارة رطبة تسودها تضاريس جبلية، على عكس مناطق مدارية أخرى أو قليلة السكان، إذن ترجع هذه التباينات إلى التأثيرات الحضارية وإلى مختلف أشكال تعامل الحضارات مع الظروف الطبيعية، المجموعات البشرية، إذ أن المناطق القديمة التعمير هي التي تأوي العدد الكبير والكثافة الحالية من السكان. وهذا هو حال الواحات الجنوبية من البلاد الأطلس الكبير والريف الشرقي حيث يعود تاريخ تعمير هذه المناطق إلى ما قبل العصور الوسطى وهذا راجع إلى أن هذه الأماكن تتمتع بتقاليد فلاحية عريقة تعود إلى التاريخ القديم. كما أن العالم القديم أكثر سكانا من العالم الجديد. وفي قلب العالم القديم، نلاحظ نفس الاختلافات والفروقات وادي النيل، جنوب شرق آسيا، كلها مناطق تعمير قديمة للجنس البشري. هذا يعني أن قدم النشاط الفلاحي هو الذي أعطى الفرصة لتواجد كثافة سكانية عالية. في العالم الجديد نجد القسم الشرقي من أمريكا الشمالية أكثر سكانا من باقي المناطق في القارة تأثير الهجرات السكانية: لقد لعبت دورا كبيرا في التعمير البشري أكبر من عامل قدم الاستقرار، حيث غيرت بشكل بالغ توزيع السكان في العالم خلال القرنين 19 و 20، وذلك بخلقها للمنطقة الرابعة في العالم في أمريكا الشمالية، وعلى إثر ذلك فإننا نجد الأغلبية الساحقة من سكان أمريكا الشمالية هم من أصل خارجي، وفي أمريكا اللاتينية ساهمت الهجرة تقريبا بـ 2/3 في تكوين السكان الحاليين، أوريا أكثر من 45 مليون نسمة في اتجاه العالم الجديد. وقد انعكس التقدم الكبير الذي حصل في القطاع الصناعي على ميادين الإنتاج الأخرى وبالخصوص على القطاع الفلاحي وأنشطة القطاع الثالث ووسائل النقل، مما ساعد على انتشار مراكز سكانية حضرية كبيرة. كما أدى تصدير التقنيات الطبية المكتشفة إلى تطور عام في الكثافات بالرغم من غياب ج .