المبحث الثاني : رواد المدرسة الكلاسيكية ونظرياتهم المطلب الأول : الرواد المتفائلون ونظرياتهم « آدم سميث (1790 - 1723) : ولد آدم سميث في اسكتلندا عام 1723 من عائلة متواضعة حيث كان أبوه يعمل في الجمارك ، تعلم في جامعة غلاسكو ثم في جامعة أكسفورد وعاد من جديد إلى اسكوتلندا ليلتقي بالاقتصادي المشهور دافيد هيوم الذي كان يطرح آراء حول نظرية المنفعة الشخصية أو المنفعة الفردية ، ابتداً حياته العلمية بتعيينه أستاذا لعلم المنطق بجامعة غلاسكو سنة 1752. سافر إلى فرنسا في سنة 1766 واتصل هناك بأصحاب المذهب الفيزيوقراطي ، واطلع على آخر التطورات الاقتصادية التي ساعدته على انجاز مؤلفه الكبير في الاقتصاد السياسي الذي كان بعنوان "بحث في طبيعة وأسباب ثروة الأمم" والذي نشره في عام ويعتبر آدم سميث مؤسس المدرسة الكلاسيكية ومذهب الحرية الاقتصادية ، ولقد كان له فضل عظيم في ترسيخ الاقتصاد كعلم ، لذا عرف بأب الاقتصاد السياسي. وعلى عكس فكره ومؤلفاته ، لم يكن بارعا في عالم الأعمال لذا قضى حياته المتواضعة يعمل في إدارة الجمارك الإسكوتلندية حتى توفي عام 1790. ولا شك أن سميث استقى من الفكر الفيزيوقراطي ومن الفكر السائد ، لكنه طور فيه وأضاف أشياء كثيرة وجديدة ، وقد تضمن كتاب "ثروة الأمم" مجمل أفكاره. وما يهمنا في هذه النقطة هو دراسة القانون الطبيعي والمصلحة الفردية ، والحرية الاقتصادية ودور الدولة ونظريته في التجارة الخارجية. 1. الإنسان هو أساس الإنتاج : يقول آدم سميث أن مصدر ثروة الأمم يكمن في عمل الإنسان. ويؤكد سميث خاصة على مزايا تقسيم العمل كما أن العمل في المجتمعات المتطورة ينتج عن تكوين رأس المال الذي يقسمه سميث إلى رأسمال ثابت ورأسمال متداول ويضيف بأن عنصر رأس المال هو الذي يرفع من إنتاجية العمل ولكي يزيد رأس المال يطالب سميث بأن يكون هناك ادخار الذي يقول عنه بأنه عبارة عن استهلاك مؤجل. وفي هذا الصدد يتسأل سميث عن الشيء الذي يدفع بالإنسان إلى العمل والادخار لولا مصلحته الخاصة ؟ وكيف أن المنافسة بين مصالح الأفراد المختلفة لا يؤدي إلى الفوضى؟ وفي إجابته عن ذلك يقول سميث بأن كل فرد في سعيه وراء ربحه الخاص يبذل مجهودا فعالا في رفع دخل المجتمع ودائما في سعيه وراء مصالحه الخاصة هناك "يد خفية" توجهه ليحقق غاية من الغايات خارجة عن إرادته ونواياه وهنا نسجل الدعم السيكولوجي لليبرالية من طرف سميث وذلك باعتقاده أن التنظيم العفوي للحياة الاقتصادية يحدث بفضل المنافسة بين المصالح الخاصة وهنا نسجل بعض التفاؤل عنده. وهذه الفكرة تصلح بالأفراد وتصلح كذلك بالأمم بحيث أن كل أمة تطمح إلى التخصص سوف تعمل بصفة غير مباشرة على تشكيل جمهورية سلعية ضخمة 1. كما أن الأجر أيضا يعتبره سعرا. 2. تراكم رأس المال هو أساس التطور : إن نظرة سميث إلى التوازن ليست بالنظرة الساكنة إذ أنه يفرق بين الحالة التطورية ، ويقول أن عجلة الحالة التطورية تكمن في تراكم رأس المال مع التفوق النسبي لهذا التراكم عن النمو الديمغرافي للأجراء الذي يؤدي إلى الارتفاع في مستوى كل من الأجور والأرباح في نفس الوقت وتعتبر فكرة سميث هذه فكرة أولية عن النمو. 3. نظرية القيمة : مادام سميث جعل من العمل مصدر للثروة فمن الطبيعي أنه يجعل من العمل مصدرا للقيمة كما أنه يميز بين القيمة الاستعمالية والقيمة التبادلية فالأولى أساسها المنفعة الشخصية والثانية فقيمتها تحدد في السوق ويأتي سميث بمثال حول الماء والألماس وهو بذلك يطرح لغز حيث يقول : " الماء هو نافع جدا لا قيمة له في المبادلة أما الألماس هو غير ذي قيمة استعمالية ولكنه بكمية كبيرة من السلع " ومن خلال هذا المثال يؤكد سميث إن القيمة الاستعمالية لا تشكل أساس القيمة التبادلية ويبرر ذلك بأن العمل هو القياس الشامل الوحيد والدقيق للقيم في كل مكان وزمان ، لكنه يعتقد أن هناك بالإضافة إلى العمل مصدران آخران للقيمة وهما الريع والربح لأن القليل من الأشياء حسب رأيه تأخذ قيمتها التبادلية من العمل فقط. وهذا يخص المجتمعات البدائية) وبذلك حسب سميث أغلب الأشياء يكون مصدر قيمتها متعدد الأنواع أي من عمل، ربع وربح ويعتبر هذا أساس نظرية القيمة التي تحددها تكلفة الإنتاج أي القيمة المتكلفة. وقد ثقفه والده منذ الصغر ، وكان أستاذا للفلسفة ثم أستاذا للاقتصاد السياسي ، لقد تأثر بريكاردو عن طريق والده ، والذي كانت مهمته الفكرية هي شرح ومعالجة نظريات الاقتصاديين الكلاسيكيين الإنجليز وخصوصا ريكاردو ، إلا أن ستيوارت ميل جاء بعناصر جديدة متأثرا بالاشتراكيين الفرنسيين الأوائل وخصوصا سان سيمون. حاول ميل الموافقة بين أطروحات "القوانين الطبيعية" التي شرحها أصحاب المدرسة الكلاسيكية والتي اعتبرها صحيحة وبين أطروحات المخالفين لها الممثلة في اتجاه التدخل الحكومي. وإسهام ميل في النظرية الليبرالية يكمن في أنه ميز بين قوانين الإنتاج التي يطغى عليها الطابع الاجتماعي والنسبية الذاتية. 1. تحليل ميل للإنتاج : الجديد في تحليل ميل للإنتاج ، ويؤكد ميل أن رأس المال منتج ، وحسب ميل فإن التقدم الاقتصادي لا يمكن أن يتم إلا بتراكم رأس المال. 2. كما انه لم يميز بين المستحدث والرأسمالي ، كما فعل ساي ، التداول ، التوزيع والاستهلاك. وقد استطاع أن يضع بوضوح عوامل الإنتاج المتمثلة آنذاك في الأرض ، العمل رأس المال مع التفرقة بين عنصر رأس المال والتنظيم كما يعود له الفضل في وضع قانون المنافذ الذي يقول بأنه لا مجال لأزمات فيض الإنتاج لأنه هناك تبادل بين المنتجين وأن العرض يخلق الطلب عليه إما التبادل فيجب أن يكون حرا. المطلب الثاني : الرواد المتشائمون ونظرياتهم « دافيد ريكاردو (1824 - 1772) : ولد دافيد ريكاردو في لندن عام 1772 ، من صيرفي يهودي ، عمل ولم يتجاوز الرابعة عشر مع والده ، ثم ترك عائلته بعد اعتناقه المسيحية. في عام 1792 بدأ يقوم بعمليات في البورصات لوحده حتى أصبح مليونيرا ، وبعدها انسحب من عالم الأعمال في عام 1814 واشترى ملكية كبيرة حيث نشر مؤلفه الرئيسي عام 1817 بعنوان "أسس الاقتصاد السياسي والضرائب" ، وهو المؤلف الذي جعل من ريكاردو أكبر اسم بعد آدم سميث ، بل إن شمولية ذلك الكتاب وطريقته في التحليل والتجريد جعلته يفوق مؤلف سميث "ثروة الأمم". دخل ريكاردو علم الاقتصاد وهو يبحث عن حلول للمشاكل المطروحة في عصره وأهمها مشكلة التضخم وانخفاض قيمة العملة الورقية ، وارتفاع أسعار الذهب ، والتي كانت تعاني منها إنجلترا ، لقد درس ريكاردو المشاكل التي أهملها آدم سميث وخصوصا مشاكل القيمة والنقد والتجارة الخارجية ، ووجه موضوع الدراسة بشكل خاص إلى دراسة توزيع الدخول ، توفي ريكاردو عام 1823 وهو في ذروة نشاطه العلمي والاجتماعي. إن معظم أفكار ريكاردو يتضمنها كتابه مبادئ الاقتصاد السياسي ومن أهمها: نظرية القيمة في العمل التي أصبحت فيما بعد إحدى نظريات كارل ماركس. • نظرية إصدار العملة التي طبقها البنك الإنجليزي آنذاك. • نظرية التكاليف النسبية المقارنة في مجال التجارة الخارجية. نظرية الريع التفاضلي - مفهوم الأجر الطبيعي المساوي إلى الحد الأدنى الفيزيولوجي (الحاجات الضرورية). « توماس روبرت مالتوس (1836 - 1766) : ولد مالتوس من أسرة انجليزية مثقفة ، درس مالتوس الأفكار الفلسفية والإقتصادية الجديدة التي كانت منتشرة في أوروبا ، ثم تخصصر علم اللاهوت في جامعة كامبردج وأصبح مدرسا فيها. وفي عام 1807 صار أستاذ اللاهوت في جامعة هايلبري وبقي في مركزه حتى وفاته. لقد تأثر مالتوس كثيرا بالبؤس الذي عاشته انجلترا إثر الثورة الصناعية ومختلف الثورات ضد فرنسا ويظهر هذا التأثير في أعماله الفكرية بحيث يطبعها شيء من التشاؤم. وقد اشتهر مالتوس بوضعه لقانون السكان الذي ينص على أن هناك فرق بين التزايد الهندسي للمكان والتزايد الحسابي للنمو الاقتصادي المواد الغذائية الموجودة على سطح الأرض إذ أن عدد السكان يتزايد بأكثر سرعة من سرعة تزايد كمية الأغذية. ومن هنا يستنتج ماتوس بأن البشرية محكوم عليها بالبؤس والمجاعة والحروب ، وهذا القانون كان له تأثير بالغ على الليبراليون في مجال الديمغرافي حيث لأن نسبة الولادات تدنت في أواخر القرن 19 وبداية القرن 20 وذلك في البلدان الأوروبية. والنتيجة الحتمية هي زيادة هائلة في السكان بالنسبة للأرزاق مما يؤدي إلى المجاعات والمرض والحروب.