كانَ رَجُلٌ في السّتين أو نحوها يتحدّثُ في تلفونِ الدّكانِ بصوتٍ مرتفعٍ، ثمَّ ودّعَ المُتَكَلّمَ، ودفعَ ثمنَ المُكالمَةِ. كانَ نحيلًا، كُرويُّ الجبهَةِ والعينينِ، مُكَوَّرُ الذّقنِ، وصَلْعَتُهُ كشفتْ عن جذورِ شعرٍ أبيضَ. مرّ من بينَ اللُّوريّاتِ ليعْبُرَ الشّارعَ، ففوجئَ بسيّارةٍ (فورد) تندفعُ نحوَهُ بسرعةٍ فائقةٍ. وثبَ إلى الأمامِ، وهوَ يهتفُ، (يا ساترُ يا ربُّ) وجرتِ الحوادثُ متلاحقةً، وصدَرَ عنْ (فرملَةِ الفوردِ) صوتُ محشْرَجُ، وتجمّعَ الناسُ حولَ الضّحيّةِ، ولمْ ينبضْ جسمُ الرَّجُلِ بحركةٍ واحدةٍ. وفكّرتِ العيونُ، وعوّتِ الأصواتُ في اضطرابٍ وسؤالٍ، وخاطبَ سائقُ الفوردِ مجموعةٌ منّ الحُفاةِ أحْدَقتْ بهِ على سبيل المُراقَبةِ: "لم يكنْ بالإمكانِ أنْ أتجنّبَ الصَّدْمةَ." ووصلَ الشُّرطيُّ، ونفذّ من بينَ الناسِ وهوَ يصيحُ بالنّاسِ أنْ يبتعدوا خطواتٍ. وتجمّعَ الناسُ، وجاءَ (بوليسُ) النَجدةِ، وتفحّصَ الضّابطُ الرَّجُلَ، ووصَلَتْ سيّارةُ الإسعافِ، وأحاطَ رجالُها بالرَّجُلِ. ونُقلَ الرَّجُلُ إلى مُستشفى الدّمرداشِ، وفحَصَهُ مديرُ القسم، وقالَ: "إصابةٌ خطيرةٌ في الرَّئةِ اليُسرى، تُهدِّدُ القلبَ مُباشرةً." ثمَّ شَهَقَ شَهْقَةٌ خفيفةً، واستَكَنَّ، وقالَ الطّبيبُ: "انْتهى.." وأرادَ الضّابطُ تحديدَ شخصيّةِ الرَّجُلِ، وفتّشَ جيبهِ فوجدَ حافظةً نقودٍ، ومجلَّدٌ صغيرٌ منّ السُّورِ القُرآنيَّةِ، ورسالةً لمْ تُغُلَّفْ بمظروفٍ بعدُ. وكانتْ الرّسالةُ موجّهةً إلى (أخي العزيزَ أدامَهُ اللّهُ) فاستاءَ من هذهِ المعانَدَةِ، ولمْ يجدْ بُدًا من قراءَتِها، ووجدَها تقولُ: "اليومَ تحقّقَ لي أكبرُ أملٍ في الحياةِ. انزاحتْ عنْ صدري الأعباءُ المَريرَةُ، انزاحتْ جميعًا والحمدُ للهِ". وعادَ إلى القراءةِ: "بعد تفكيرٍ طويلٍ قرَّ رأيي على ترْكِ الخدمَةِ فِعْلا. فهيهاتَ أنْ تتَحسّنَ صحّتي طالَما بقيتُ في المدينةِ، وقريبًا أعودُ إلى البلدِ إنْ شاءَ اللهُ." وطوى الضّابطُ الرّسالةَ وهوّ يقولُ: "إنّهُ موظَّفُ كَما يُفْهَمُ منْ خطابِهِ، ولكنْ ليس بِهِ ما يُمْكِنُ الاستدلالُ على هُويَّتِهِ." فقالَ الطَّبيبُ "ستُتَّخَذُ الإجراءاتُ المألوفَةُ، وغالبًا ما يجيءُ أهلُهُ في الوقتِ المُناسِبِ، فيتسلَّمونَ الجُنَّةَ منَ المشْرَحَةِ."