وقد أزال أحد العارفين الإشكال الذي أثاره كلام الشيخ عبد القادر رضي الله عنه ورسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بقولهما عن كثرة الصلاة والصيام فقال: ""لا تظنوا أن المرشدين المذكورين لم يصليا ولم يصوما قط، بل كانا يصليان ويصومان مع كثرة النوافل والصيام"". " إن المراد من كلام النبي صلى الله عليه وسلم والشيخ عبد القادر الجيلاني قدس سره أنهما لم يصليا إليه تعالى بمجرد كثرة الصلاة والصيام، " "يقال إن قول الرسول صلى الله عليه وسلم والشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه: ""بكثرة الصلاة والصيام"" معناه زيادة النوافل على الواجبات، "إن بعض المفكرين الأحرار والملحدين (نعوذ بالله من عقولهم) يتصورون أن الإنسان يصل إلى الله تعالى حتى من دون صلاة وصيام، وذلك استناداً إلى [سوء فهم نص الحديث المذكور ونص كلام الشيخ عبد القادر المشار إليه أعلاه. وهنا نعود إلى الهدف الأصلي ـ وهو أنه لا يعبد رب سواه ـ وهذا لن يكون إلا إذا تحققت نتيجة كل الأمور المذكورة عملياً وفعلياً من قبل العبد الكامل والعارف الذي بلغ الهدف في اكتساب الوعي الكامل والكمال العام. "ثم يعلم ويدرك بعلمه وحسه أنه لا وجود في الحقيقة إلا لله تعالى، ولهذا قال أحد الذين تجلت لهم الحقيقة الإلهية قدس سرهم: إن كمال عبادة العبد أن يعلم أن المعبود ظاهر في العابد، كيف لا يكون كذلك وهو عابد ومعبود في نفس الوقت، " "ويجب عليه أيضاً أن يعلم ويدرك أنه كلما وجه نظره إلى شيء ـ مهما كان ـ وجد الحقيقة تعالى متجلية متفردة منيرة عليه وعليه وفيه بنور النسل والخلق عموماً وبنور خاص لكل حسب قدرته الخاصة فافهم ذلك. ويجب عليه أيضاً أن يعلم ويدرك أن هناك أربع قبلات على ما قاله أحد أهل البداهة من أهل العلم والمعرفة، الأولى منها تسمى قبلة العمة أي قبلة العمل، والثانية تسمى قبلة العلم أي قبلة المعرفة، والثالثة تسمى قبلة السر أي قبلة الكتمان. الرابعة تسمى قبلة التوجه أي قبلة التفكر. أما قبلة العمل فقد بينها الله تعالى في قوله تعالى: فلا تصح الصلاة إلا بتوجيه الوجه إليها حرفيا سواء كان المصلي عالما أو جاهلا. وقد تكون هذه القبلة بعيدة عن المصلي أو قريبة منه بحسب موقعه. وكل أحد من العوام يعرف هذه القبلة. "أما قبلة العلم فإن الآية [التالية] تشير إليها: (فأينما تولوا فثم حضرة الله) (البقرة: 115). فالإنسان حين يوجه وجهه إلى هذه القبلة المتعالية يكون قريباً منها من جهة، بل قد يكون هو القبلة نفسها من جهة أخرى في نفس الوقت وفي نفس المكان. ولا يعلم سر هذه القبلة المذكورة إلا الخواص، أما قبلة السر فإنها تحيط بكل شيء، وهي أقرب إليكم ولكن لا تشعرون بها". "وهو أقرب إليكم من حبل الوريد" (1: 16). ولا يقوم بهذا ويوفق فيه إلا أهل العناية الكاملة والسعادة العامة الكاملة الشاملة لظاهرهم وباطنهم باتباعهم لرسول الله (صلى الله عليه وسلم). وأما قبلة التفكر فهي تعبير عن القلب الصنوبري في مقابل القلب الحقيقي المشار إليه في الحديث: قال أحدهم رضي الله عنه: "ولكن يجب على من يتوجه إلى هذه القبلة أن يدرك الحق سبحانه وتعالى متجلياً فيها بحضور تام دائماً وفي كل أحواله وأوقاته، وقد تولى الله هداية البشرية أجمعين، بل كل شيء هو واحد معه نتيجة لبلوغه مرحلة القرب الحقيقية التي لا يمكن التمييز فيها. " "وفي هذه المرحلة قال الشيخ أبو يزيد البسطامي: أنا من الذات الإلهية أي الآيات التي تتحدث عن "الإحاطة" و"المصاحبة" و"الفردية" و"القرب" و"الذات" وغيرها. وقال أحد العرفاء على سبيل التحذير والتوجيه لعامة الناس من الطريق: "قربك منه (تعالى) هو أن تشعر بقربه منك شخصياً، وأما مرحلة "الإحاطة" فقد أشار إليها الحديث التالي أيضاً: "إذا أنزلت بحبل نزل على الله". ثم تلا عليه (صلى الله عليه وآله): "هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْمُقْبِتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (الأعراف: 3) وكيف لا يكون كذلك وهو أقرب إليك من نفسك كما تقدم، وهو الآن على حاله التي كان عليها حينئذ. فاعقلوا وتأملوا. "إلا هو تعالى في الدنيا والآخرة، إلا أن قلبه معلق بالله لا بأحد غيره، "الدنيا محرمة على أهل الآخرة، "أهل الدنيا يخدمهم العبيد والإماء، وأهل الله يخدمهم الملوك والسلاطين" فاعلم ذلك، كيف لا يكون كذلك وهو (هو الأول والآخر والظاهر والمستقيم) (الأعراف: 13) و(هو الذي لا يشبهه شيء) (الحاقة: 42)،