على المصطبة الكبيرة التي رصفت أمام بيت آل سماسم، عثرنا على الشقي مختار، بالخفيف السرعته الشديدة في النشل التي لم يضارعه فيها أحد، ولكن من سوء حظه أنه دائما ما يضبط، وتعود على السجون أكثر من تعوده على البيت، ويقال إن له غرفة خاصة في السجن الكبير، يحتفظون بها نظيفة في أي وقت، وربما يطلب منه إحضار مواد تموينية معه، حين ينوي العودة إلى السجن كان الخفيف متربعا على المصطبة، برفقة ثلاثة من أصدقائه يلعبون الورق على ضوء شموع تحتضر، توقفوا عن اللعب في لحظة حامية، وطالعونا في وجل بينما ظل النشال ثابتا . يتأملنا بلا مبالاة ثم يسألنا قبل أن يسأله الشاويش: وأعمل سمارا للعقارات نسيبي محجوب، لماذا تداهمون بيتي وتزعجون عند أصدقائي؟ -ومولد الكهرباء الذي سرقته من عيادة الطبيب؟ هذه بداية جرائم من نوع آخر يا خفيف، لقد فضحك الشيخ (هندوب). كان الشاويش خضر هو الذي تحدث، وأسمع قرقرة غازات في بطنه الناتئ من شدة الانفعال. بينما ظللت وعز الدين ساكنين نراقب الموقف، و(هندوب) قاص الأثر يضيء مصباحه، ويغرس عصا الشوك في الرمل أمام المصطبة. سرقته ؟ من قال إنني سرقته ؟ لقد قمت بتسليمه إلى صاحب الورشة لإصلاحه كما طلب إلي، وأعطاني أجرة النقل خمسة جنيهات. أخرج خمسة جنيهات جديدة وذات رائحة مميزة من جيبه عرضها أمام عيني الشاويش الذي وضع سلاحه في جيبه، وصاح في رفاق النشال أن يتفرقوا، ويذهبوا إلى أي داهية وأمك بالنشال القوي، واقتاده بخشونة إلى حيث عربتي التي ما تزال أمام العيادة، الحشرنا فيها كلنا وذهبنا إلى القسم الذي كان يخضع الآن لشرطيين آخرين تسلماء من تولاب، وكان أن فتح محضر التحقيق بواسطة أحد أولئك الشرطيين، ورويت على لسان مختار الخفيف، قصة الاحتيال التي كانت ساذجة جدا في رأيي، لكنها يمكن أن تكون عظيمة ومقنعة جدا لدى واحد مثل مختار، لكنه يفتقر إلى المنطق الذي يحلل به الأمور. كان قد تعرف على شاب نحيل منكوش الشعر، منذ عدة ساعات فقط، قال إنه صاحب ورشة لتصليح المولدات الكهربائية، المفترض أن ينقل مولد الطبيب لإصلاحه اليوم، وقد مرض العامل القوي الذي يساعده، فجأة بالحمى ونقل إلى المستشفى، ودله بعض الناس على مختار باعتباره قويا، حدد له الشاب المكان في الحوش الخلفي لبيت عز الدين، وطلب منه الحرص والتسلل خفية، لأن الديهم أمرأة مجنونة، يمكن أن تؤذيه ودس في يده خمسة جنيهات جعلته ينقذ المهمة سريعا وبحرص، وينقل المولد عبر باب العيادة الذي كان عز الدين قد فتحه كما يفعل دائما في ذلك الوقت إلى الزقاق الثاني حيث كان ينتظره صاحب الورشة في عربة قديمة من نوع البيك أب)، وكان على ظهرها مولدان آخران وثلاجة. الذي كان يتحدث بثقة وأعصاب صلدة لا تشبه أعصاب المذنبين ساعة اصطيادهم وقد كان يرتدي تي شيرت أصفر بلا أكمام، وبدا الوشم الداكن على ذراعه اليمنى، على ضوء القانوس كحشرة أسطورية، بعكس الشاويش الذي كان متوترا، ويعبث بشاربه الذي غطى فمه كله. ونحى العسكري المناوب الذي كان يسجل على الدفتر جانبا وجلس مكانه على المقعد الوحيد، أولادي الأشقياء لا يتركون رتبتي مثبتة على كتفي سأقتلهم يوما. من أين جنابك في هذه الساعة ؟ الناس ناتمون وكانت بالفعل موعدًا متأخرا في حي لا يغري ظلامه بالسهر لمعظم الناس لكن ولا بد أنه يفكر في كيفية حصوله على الصمغ المطلوب التكملة هيبة رئيسه، على ملامح عز الدين، قلت مخاطبة الشاويش خضر، وكان ممثلنا مثلي بقناعة تامة بالقصة الساذجة التي رواها النشال، ما رأيك حضرة الشاويش أين ذهب ذلك البيجاوي الدخيل على الشرطة؟ منذ متى تعين الشرطة مثل هؤلاء ؟ كانت قد مضت أكثر من خمس عشرة دقيقة على غياب تولاب بقي فيها العسكريان الآخران صامتين وهما يشاهدان الواقعة التي حدثت في أثناء ورديتهما، وتخضع السيطرة الشاويش المرتبك الذي من المفترض أن يكون الآن نائما في بيته أو عائقا في مهمة أخرى لا علاقة لها بعمل الشرطة. كانت مهمة قاص الأثر العجوز قد انتهت منذ زمن حين عثر على الآثار، تثاءب بعمق وطالعني بنظرة كبيرة وهو يشعل مصباحه ويطفئه، وكان علي أن أدخل يدي إلى جيبي، أمنحه عشرة جنيهات تلقاها بيده الجافة الغزيرة العروق كما يتلقى كنزاء كانت ابتسامته بلا أسنان، ومشيته وهو يخرج إلى الطريق مشبة شاب في العشرين وحين عاد تولاب أخيرا. يحمل الصمغ الذي اضطر إلى استلاقه من بائع الأكياس الورق التي تستخدم في حمل المشتريات، كان الشاويش قد بلغ ذروته من العصبية والهياج. وارتكب مخالفة كبيرة للقوانين العسكرية، بنزعه لباقي خيوط الشريط، لتظل إحدى كتفيه عارية بلا رتبة، وألقى به في الظلام من باب الغرفة المفتوح. أخيرا تفرقنا على موعد أن تتابع القضية في الصباح في أثناء وردية الشاويش الأصلية أخذ النشال بعنف، وحشر في الزنزانة الضاجة بالأصوات والروائح، وسمعنا تصفيقا حادا وصفيرا منقطعاً صدر من زملائه المساجين، وهم يستقبلونه أهلا يا خفيف شرفتنا يا خفيف وعلى باب المركز كان على أن أخرج أربعين جنيها من جيبي، بالرغم من أنني لم أحصل على مولدي بعد، ولا أعرف إن كنت سأحصل عليه أو لا نصفها استقر في جيب الشاويش خضر، إدريس علي من جديد بعد أن غاب طويلا، ويساعدة نشال غشيم وغير متخصص في اقتحام البيوت. كان ما يشغلني في تلك اللحظة أشياء عدة، من بينها كيفية اهتداء قاص الأثر إلى الإصبع المبتور والمتورم في قدم اللص، عن تلك القائدة التي سيجنيها إدريس من سرقة مولد ربما كانت ستكتشف في ساعتها، وتمزيق أسلاك الكهرباء الذي حدث، هل كان من ضمن المهمة؟ أم إضافة شخصية من مختار الذي لم أضره في شيء. وزوجت أخته المهووسة التي كانت بلا أمل في زواج مستقر من رجل ذي دخل جيد، وقاده الحب إلى غض الطرف عن تلك البيئة المزرية التي كانت تعيش فيها زوجته، كانت إضاءة العيادة التي لن تحقق أي ربحمن دونها، وعلي أن أذهب إلى برد شاندرا) مرة أخرى لأشترى أو أستعير مولدا آخر من عنده، وعلي أيضا أن أفكر في تصعيد موضوع إدريس لدى مركز الشرطة الكبير في وسط المدينة. المركز الخاص بالضباط الكبار والصغار والتحريات الصارمة التي لا تشبه تحريات الشاويش خضر، وسيجد إدريس صاحب المتاريس، لم يكن يريد قشله أن يصل إلى الضباط الكبار وهو على وشك التقاعد، ويتقاعد مرفوع الرأس في حفل تكريم يقيمونه من أجله، فتأثرت برجاته قليلا،