حكاية أبي الحسن الخراساني الصيرفي مع شجرة الدر ومما يحكى أيضاً أيها الملك السعيد أن المعتضد بالله كان عالي الهمة شريف النفس وكان له ببغداد ستمائة وزير وما كان يخفى عليه من أمور الناس شيء، وقد صرنا إلى هذا الوقت ولم أر أحداً. وكان الخليفة في ذلك الزمان إذا أراد الفرجة على الرعية تنكر في زي التجار فدخل الخادم على سيده وأخبره ففرح وقام وذهب إليهما بنفسه وإذا به جميل الوجه حسن الصورة وعليه قميص نيسابوري ورداءٍ مذهب وهو مضمخ بالطيب وفي يده خاتمٌ من الياقوت، فلما رآهما قال: أهلاً وسهلاً بالسادة المنعمين علينا غاية الإنعام بقدومهما، فلما دخلا تلك الدار رأياها تنسي الأهل الأوطان كأنها قطعة من الجنان. فقال ابن حمدان: فنظرت إلى الخليفة فرأيت وجهه قد تغير وكنت أعرف من وجهه حال الرضا والغضب، فلما رأيته قلت في نفسي، ثم قال صاحب الدار: بسم الله يا سادتنا والله أن الجوع قد أضناني فأنعموا علي بالأكل من هذا الطعام كما هو أخلاق الكرام وصاحب الدار يفسخ الدجاج ويضعه بين أيدينا ويضحك وينشد الأشعار ويورد الأخبار ويتكلم بلطيف ما يليق بالمجلس. وقال ابن حمدان: فأكلنا وشربنا ثم نقلنا إلى مجلسٍ آخر يدهش الناظرين تفوح منه الروائح الزكية، قال ابن حمدان: ولم يزل الخليفة في عبوس ولم يبتسم لما فيه فرح النفوس مع أن عادته أنه يحب اللهو والطرب ودفع الهموم وأنا أعرف أنه غير حسودٍ ولا ظلومٍ فقلت في نفسي يا ترى ما سبب عبوسه وعدم زوال بؤسه؟ ثم جاؤوا بطبق الشراب ومجمع شمل الأحباب وأحضروا الشراب المروق وبواطي الذهب والبخور والفضة وضرب صاحب الدار على باب مقصورةٍ بقضيبٍ من الخيزران وإذا بباب المقصورة قد فتح وخرج منه ثلاث جوار نهد أبكارٍ وجوههن كالشمس في رابعة النهار وتلك الجواري ما بين عوادةٍ وجنكيه ورقاصةٍ، قال ابن حمدان: فضرب بيننا وبين الثلاث جوارٍ ستارةً من الديباج وشراريبها من الإبرسيم وحلقاتها من الذهب فلم يلتفت الخليفة إلى هذا جميعه وصاحب الدار لم يعلم من هو الذي عنده، فقال الخليفة لصاحب الدار: أشريفٌ أنت؟ لا يا سيدي إنما أنا رجلٌ من أولاد التجار أعرف بين الناس بأبي الحسن علي ابن أحمد الخراساني، فقال له ابن حمدان: يا رجل هذا أمير المؤمنين المعتضد بالله حفيد المتوكل على الله، فقام الرجل وقبل الأرض بين يدي الخليفة وهو يرتعد من خوفه، قال: معاذ الله أن أحدث بالمحال، حتى ثيابك ولماذا عليها اسم جدي المتوكل على الله؟ قال: نعم أعلم يا أمير المؤمنين أيدك الله الحق شعارك والصدق وداءك ولا قدرة لأحدٍ على أن يتكلم بغير الصدق في حضرتك، فقال له الخليفة: قل حديثك فقال: اعلم يا أمير المؤمنين أنه كان أبي يسوق الصيارف والعطارين والبزازين وكان له في كل سوقٍ حانوت ووكيل وبضائع من سائر الأصناف وكان له حجرةً من داخل الدكان التي بسوق الصيارف لأجل الخلوة فيها وجعل الدكان لأجل البيع والشراء وكان ماله يكثر عن العد ويزيد عن الحد ولم يكن له ولد غيري وكان محباً لي وشفوقاً علي فلما حضرته الوفاة دعاني وأوصاني بوالدتي وبتقوى الله تعالى ثم مات رحمه الله وأبقى أمير المؤمنين فاشتغلت باللذات وأكلت وشربت ثم اتخذت الأصحاب والأصدقاء وكانت أمي تنهاني عن ذلك وتلومني عليه فلم أسمع كلامها حتى ذهب المال جميعه وبعت العقار ولم يبق لي شيءٌ غير الدار التي أنا فيها وكانت داراً حسنةً يا أمير المؤمنين. فقلت لأمي: أريد أن أبيع الدار فقالت: يا ولدي أن بعتها تفتضح ولا تعرف مكاناً تأوي إليه فقلت: هي تساوي خمسة الألف دينارٍ فأشتري من جملة ثمنها داراً بألف دينارٍ ثم أتجر بالباقي فقالت: أتبيعني هذه الدار بهذا المقدار؟ قلت: نعم فجاءت إلى طابقٍ وفتحته وأخرجت منه إناءً من الصيني فيه خمسةً الآلف دينارٍ فخيل إلي أن الدار كلها ذهب فقالت لي: يا ولدي لا تظن أن هذا المال مال أبيك والله يا ولدي أنه من مال أبي وكنت أدخرته لوقت الحاجة إليه فأني كنت في زمن أبيك غنية عن الاحتياج إلى هذا المال فاتخذت المال منها يا أمير المؤمنين وعدت لما كنت عليه من المأكل والمشرب والصحبة حتى نفذت الخمسة الألف دينارٍ ولم أقبل من أمي كلاماً ولا نصيحةً ثم قلت لها: مرادي أن أبيع الدار فقالت: يا ولدي قد نهيتك عن بيعها لعلمي أنك محتاج إليها فكيف تريد بيعها ثانياً؟ فقلت لها: لا تطيلي علي الكلام فلا بد من بيعها فقالت: بعني إياها بخمسة عشر ألف دينارٍ بشرط أن أتولى شؤونك بنفسي فبعتها لها بذلك المبلغ على أن تتولى أموري بنفسها فطلبت وكلاء أبي وأعطت كل واحدٍ منهم ألف دينار ووضعت المال تحت يدها والأخذ والعطاء معها وأعطتني بعضاً من المال لأتجر فيه وقالت لي: أقعد أنت في دكان أبيك فعملت ما قالت أمي يا أمير المؤمنين وجئت إلى الحجرة التي في سوق الصيارف وجاء أصحابي وصاروا يشترون مني وأبيع لهم وطاب لي الربح وكثر مالي. فلما رأتني أمي على هذه الحالة الحسنة أظهرت لي ما كان مدخراً عندها من جواهرٍ ومعادنٍ ولؤلؤٍ وذهبٍ ثم أعادت أملاكي التي كان وقع فيها التفريط وكثر مالي كما كان ومكثت على هذه الحال مدة وجاء وكلاء أبي فأعطيتهم البضائع ثم بنيت حجرةً ثانيةً من داخل الدكان. فبينما أنا قاعدٌ فيها يا أمير المؤمنين وإذا بجاريةٍ قد جاءت إلي لم تر العيون أجمل منها منظراً فقالت: هذه حجرة أبي الحسن علي بن أحمد الخراساني؟ قلت لها: نعم، فقلت له: ما بالك؟ فقال: أني تبعت الجارية لأنظر أين تذهب فلما أحست بي رجعت وضربتني هذه الضربة فكادت أن تتلف عيني، فلما كان آخر الشهر وإذا بها جاءت وسلمت على فكدت أن أطير فرحاً فسألتني عن خبري وقالت: لعلك قلت في نفسك ما شأن هذه المحتالة كيف أخذت مالي وانصرفت فقلت: والله يا سيدتي أن مالي وروحي ملكٌ لك، فبينما أنا جالسٌ في بعض الأيام وإذا بها قد جاءت إلي وتحدثت ساعةً ثم قالت لي: زن لي خمسمائة دينارٍ فأني قد احتجت إليها، فأردت أن أقول لها على أي شيءٍ أعطيك مالي فمنعني فرط الغرام من الكلام وأنا يا أمير المؤمنين كلما رأيتها ترتعد مفاصلي ويصفر لوني وأنسى ما أريد أن أقول وأصير أقول كما قال فأبهت حتى لا أكاد أجيب ثم وزنت لها الخمسمائة دينارٍ فأخذتها وانصرفت فقمت وتبعتها بنفسي إلى أن وصلت إلى سوق الجواهر فوقفت عند إنسانٍ فأخذت منه عقداً والتفتت فرأتني فقالت: زن لي خمسمائة دينار، فلما نظرني صاحب العقد قام إلي وعظمني فقلت له: أعطها العقد وثمنه على فقال: سمعاً وطاعةً فأخذت العقد وانصرفت. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. وفي الليلة الستين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن أبا الحسن الخراساني قال: فقلت له أعطها العقد وثمنه علي فأخذت العقد وانصرفت فتبعتها حتى جاءت إلى الدجلة ونزلت في مركبٍ فأومأت إلى الأرض لأقبلها بين يديها فذهبت وضحكت ومكثت واقفاً انظرها إلى أن دخلت قصراً فتأملتها فإذا هو قصر الخليفة المتوكل فرجعت يا أمير المؤمنين وقد حل بقلبي كل همٍ في الدنيا وكانت قد أخذت مني ثلاثة آلاف دينارٍ فقلت في نفسي: قد أخذت مالي وسلبت عقلي وربما تلفت نفسي في هواها. ثم رجعت إلى داري وقد حدثت أمي بجميع ما جرى لي فقالت لي: يا ولدي إياك أن تتعرض لها بعد ذلك فتهلك، فلما رحت إلى دكاني جاءني وكيلي الذي بسوق العطارين وكان شيخاً كبيراً فقال لي: يا سيدي ما لي أراك متغير الحال يظهر عليك أثر الكآبة فحدثني بخبرك؟ فحدثته بجميع ما جرى لي معها فقال لي: يا ولدي أن هذه من جواري قصر أمير المؤمنين وهي محظية الخليفة فاحتسب المال لله تعالى ولا تشغل نفسك بها وإذا جاءتك فاحذر أن تتعرض لها وأعلمني بذلك حتى أدبر لك أمراً لئلا يحصل لك ثم تركني وذهب وفي صدري لهيب النار. فقالت لي: ما حملك على أن تتبعني؟ فقلت لها: حملني على ذلك فرط الوجد الذي بقلبي وبكيت بين يديها فبكت رحمةً وقالت: والله ما في قلبك شيءٌ من الغرام إلا وفي قلبي أكثر منه ولكن كيف أعمل، والله ما لي من سبيل غير أني أراك في كل شهرٍ مرةٍ. ثم دفعت إلي ورقةً وقالت: خذ هذه إلى فلان الفلاني فأنه وكيلي وأقبض منه ما فيها فقلت: ليس لي حاجة بمال ومالي وروحي فداك، فقالت: سوف أدبر لك أمراً يكون فيه وصولك إلي وأن كان فيه تعبٌ ثم ودعتي وانصرفت فجئت إلى الشيخ وأخبرته بما جرى فجاء معي إلى دار المتوكل فرأيتها هي والمكان الذي دخلت فيه الجارية فصار الشيخ متحيراً في حيلةٍ يفعلها فرأى خياطاً قبل الشباك المطل على الشاطئ وعنده صناعٌ فقال: بهذا تنال مرادك ولكن أفتق جيبك وتقدم إليه وقل له أن يخيطه فإذا خاطه فادفع له عشرة دنانيرٍ فقلت: سمعاً وطاعةً، فلما فرغ الخياط من تفصيل الملابس وخياطتها أعطيته أجريتها زيادة عن العادة بكثيرٍ، ثم مد يده إلى تلك الملابس فقلت: خذها لك ولمن حضر عندك، وصرت أقعد عنده وأطيل القعود معه ثم فصلت عنده غيرها وقلت له: علقه على وجه الدكان لمن ينظره فيشتريه ففعل، وصار كل من خرج من قصر الخليفة وأعجبه شيءٌ من الملابس وهبته له حتى البواب، فقال: لمن؟ قلت: لجاريةٍ من جواري قصر الخليفة فقال: قبحهن الله كم يفتن الناس ثم قال: هل تعرف اسمها؟ قلت: لا فقال: صفها لي، فوصفتها له فقال: ويلاه هذه عوادة الخليفة المتوكل والمحظية عنده لكن لها مملوك فأجعل بينك وبينه صداقةً لعله يكون سبباً في اتصالك بها فبينما نحن في الحديث وإذا بالملوك مقبلٌ من الخليفة وهو كأنه القمر في ليلة أربعة عشر وبين يدي الثياب التي خاطها لي الخياط وكانت من الديباج من سائر الألوان فصار ينظر إليها ويتأمل ثم أقبل علي فقمت وسلمت عليه فقال: من أنت؟ فقلت: رجلٌ من التجار، قال: أتبيع هذه الثياب؟ قلت: نعم فأخذ منها خمسةٌ وقال: بكم الخمسة؟ فقلت: هي هدية مني إليك عقد صحبةٍ بيني وبينك ففرح بها ثم جئت إلى بيتي وأخذت له ملبوساً مرصعاً بالجواهر واليواقيت قيمته ثلاثة ألاف دينارٍ وتوجهت به إليه فقبل مني ثم أخذني ودخل بي حجرةً في داخل القصر وقال: ما اسمك بين التجار؟ فقلت له: رجلاً منهم فقال: قدر ابني أمرك فقلت: لماذا؟ قال: أنك أهديت لي شيئاً كثيراً ملكت قلبي به وقد صح عندي أنك أبو الحسن الخراساني أكثر الصيرفي، فلما جن الليل إذا بالمملوك أتى ومعه قميصٌ منسوجٌ من الذهب وحلةٌ من حلل الخليفة فألبسني إياها وبخرني فصرت أشبه بالخليفة ثم أخذني إلى محلٍ فيه الحجر صفين من الجانبين وقال: هذه حجرة الجواري الخواص فإذا مررت عليها فضع على كل بابٍ من الأبواب حبةً من الفول لأنه من عادة الخليفة أن يفعل هكذا في كل ليلةٍ. وفي الليلة الواحدة والستين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن المملوك لما قال لأبي الحسن: فإذا مررت عليها فضع على كل بابٍ من الأبواب حبةً من الفول لأن من عادة الخليفة أن يفعل هكذا إلى أن تأتي إلى الدرب الثاني الذي على يدك اليمنى فترى حجرةً عتبة بابها من المرمر فإذا قدمت إليها فمسها بيدك أن شئت فعد الأبواب فهي كذا وكذا باباً فأدخل الباب الذي علامته كذا وكذا فتراك صاحبتك وتأخذك عندها، ثم تركني ورجع وصرت أمشي وأعد الأبواب واضع على كل بابٍ حبة فولٍ: فلما صرت في وسط الحجر سمعت ضجةً عظيمةً ورأيت ضوء شموع وأقبل ذلك الضوء نحوي حتى قرب مني فتأملته فإذا هو الخليفة وحوله الجواري ومعهن الشموع فسمعت واحدةً منهن تقول لصاحبتها: يا أختي هل نحن لنا خليفتان؟ على أن الخليفة قد جاز حجرتي وشممت رائحة العطر والطيب ووضع حبة الفول على حجرتي كعادته، فقالت: أن هذا الأمر عجيب لأن التزيي بزي الخليفة لا يجسر عليه أحدٌ، فانعطفوا إلى حجرةٍ من الحجر ودخلوا ثم خرجوا ومشوا حتى وصلوا إلى بيت صاحبتي فسمعت الخليفة يقول: حجرة من هذه؟ فقالوا: هذه حجرة شجرة الدر فقال: نادوها فنادوها فخرجت وقبلت أقدام الخليفة فقال لها: أتشربين الليلة؟ فقالت: أن لم يكن لحضرتك والنظر إلى طلعتك فلا أشرب فأنني لا أميل إلى الشراب في هذه الليلة، ثم أمر بالدخول إلى حجرتها فدخلت بين الشموع وإذا بجاريتها أمامهم وضوء وجهها غالبٌ على ضوء الشمعة التي بيدها فقربت مني وقالت: من هذا؟ ثم قبضت علي وأخذتني إلى حجرةٍ من الحجر وقالت لي: من أنت؟ فقلبت الأرض بين يديها وقالت لها: أناشدك الله يا مولاتي أن تحقني دمي وترحميني وتتقربي إلى الله بإنقاذ مهجتي وبكيت فزعاً من الموت، فقالت: لا ريب أنك لصٌ؟ فقلت: لا والله ما أنا لصٌ فهل ترين علي أثر اللصوص؟ فقالت: أصدقني خبرك وأنا أجعلك في أمانٍ، فقلت: أنا جاهلٌ أحمقٌ قد حملتني الصبابة وجهلي على ما ترين مني حتى وقعت في هذه الورطة، ثم خرجت وجاءتني بثياب جاريةٍ من جواريها وألبستني تلك الثياب في تلك الزاوية وقالت: تعال خلفي فمشيت خلفها حتى وصلت إلى حجرتها وقالت: ادخل هنا فدخلت حجرتها فجاءت بي إلى سريرٍ وعليه فرشٌ عظيمٌ وقالت: أجلس لا بأس عليك أما أنت أبو الحسن الخراساني؟ قلت: بلى قالت: قد حقن الله دمك أن كنت صادقاً ولم تكن لصاً فأنك تهلك لا سيما وأنت في زي الخليفة ولباسه وبخوره، وأما أن كنت أبا الحسن الخراساني الصيرفي فأنك قد أمنت ولا بأس عليك فأنك صاحب شجرة الدر التي هي أختي فأنها لا تقطع خبرها عنك أبداً وتخبرنا كيف أخذت منك المال ولم تتغير وكيف جئت وراءها إلى الشاطئ وأومأت لها إلى الأرض تعظيماً وفي قلبها منك الحب أكثر مما في قلبك منها، ولكن كيف وصلت إلى ههنا بأمرها أم بغير أمرها بل خاطرت بنفسك وما مرادك من الاجتماع؟ فقلت: والله يا سيدتي أني أنا الذي خاطرت بنفسي وما غرضي من الاجتماع بها إلا النظر والاستماع لحديثها فقالت: أحسنت فقلت: يا سيدتي الله شهيد على ما أقول أن نفسي لم تحدثني في شأنها بمعصيةٍ، فقالت: بهذه النية نجاك الله ووقعت رحمتك في قلبي، فقالت للجارية: أرجعي إليها وقولي لها: أنه لا بد من حضورك لسرٍ بينك وبينها، فتوجهت إليها الجارية وبعد ساعةٍ جاءت الجارية ووجهها يضيء كأنه البدر فقابلتها واعتنقتها وقالت: يا أبا الحسن أخرج إليها وقبل يديها. ثم أخذتني إلى حجرتها وقالت لأختها: أني قد عاهدته أن لا أجتمع معه في الحرام ولكن كما خاطر بنفسه وارتكب هذا الهول لأكونن أرضاً لوطء قدميه وتراباً على نعليه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. وكان الخليفة يحب جاريةً اسمها البنجة وهي أم المعتز بالله وكانت الجارية قد هجرته وهجرها فلعز الحسن والجمال تصالحه والمتوكل لعزة الخلافة والملك لا يصالحها ولا يكسر نفسه لها مع أن في قلبه منها لهيب النار ولكنه تشاغل عنها بنظائرها من الجواري والدخول إليهن في حجراتهن، وكان يحب غناء شجرة الدر فأمرها بالغناء وتناولت العود وشدت الأوتار وغنت بهذه الأشعار: فلما انقضى ما بيننا سكن الدهـر هجرتك حتى قيل لا يعرف الهوى وزرتك حتى قيل ليس له صبـر فيا حبها زدني جـوىً كـل لـيلةٍ