إذ قال لبنيه ما تعبدونَ من بعدي؟ قالوا نعبدُ إلهكَ وإلهَ آبائكَ إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ إلها واحدا ونحن له مسلمون وكلمة الإسلام قديماً وحديثاً هي العنوان الفذ للدين الأثير عند الله بما يتضمنه هذا الدين من توحيد للخالق واستقامة على أمره وانفاذ لوصاياه وإقامة لأحكامه وقد كان يوسف الصديق أشرف رجال هذه الأسرة وأصلح أولاد يعقوب وأرعاهم لتعلم أبيه في حياته وبعد مماته وكان يقدر نعمة الاختيار الإلهي لبيتي يعقوب كي يحرس التوحيد ويرفع الواأة ولذلك رأيناه في السجن ينتهيز الفرص فيدعو المسجونين إلى الله وينفرهم من الوثنية ويشرح لهم معالم الإيمان الحق وكان السجناء قد لحظوا قدرته على استنباط الغيوب من خلال تعبيل الرؤية فقال لهم يوسف ذلك ما مما علّمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون واتّبعت ملة آباء إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ويوسف بهذه الكلمات ينوه بمكانة أسرته ووظيفتها الرفيع في قيادة الناس إلى الله الواحد ونبدل وثانية السائدة على عهده ولذلك يتابع نصحه لرفقاء السجن قائلاً يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا أسماءً سميتموها أنتم وأباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلموا ومن الإنصاف أن نقول إن أبناء يعقوب في تاريخهم المتقدم وفوا بعهدهم لأبيهم وقاوموا أمواج الوثنية التي حاولت أن تجرفهم ولعلهم تحملوا في ذلك آلاماً رهيبة وأي آلام أبشع من تذبيح الأبناء واستحياء النساء لكنهم مع تلك المحا لم يفقدوا شخصيتهم ولم يذوبوا في غيرهم ولم ينسوا أصل رسالتهم وفي ذلك يقول الله في القرآن الكريم عنهم ولقد اخترناهم على علم على العالمين وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين لكن بني إسرائيل مع سير الزمان واختلاف الليل والنهار أخذوا يبددون أماجدهم ويغاضبون ربهم ويتنكرون لمواريثهم ولم ينشأ هذا الانحراف من غلبة عدو عليهم وتأثيره فيهم بل نشأ من اغترارهم بالله وجراءتهم عليه وابتذالهم لنعمه وأطحى كالولد المدلل لا ينتظر منه أدب ولا تثمر في تقويمه عضا و تطرق هذا العواج إلى المبادئ التي اختيروا لإعلاء منارها وتمهيد سبلها فإذا هم يخلطون التوحيد بالشرك و يذهلون ذهولا مطلقا عن اليوم الآخر و يرتكبون المعاصي دون حذر و انسون قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر و ينطلقون على ظهر الأرض ما تسيرهم إلا غرائزهم الدنيا مقترنة بدعاوة عريضة ومزاعم مكذوبة فكانوا بهذا المسلك الجديد شرًا من الأمم التي كلفوا قديمًا بتعليمها وتأذيبها وفضلوا تفضيلا عليها ومن رحمة الله بعباده أنه يقيل عثاراتهم ويغفر زلاتهم ولا يؤاخذهم لأول ما يفرط منهم وقد أمهل بني إسرائيل طويلًا كيما يثوبوا لرجدهم ويعتذروا عن أخطائهم وبعث فيهم أنبياء كثيرين يذكرونهم بالله ويخوفونهم نقمته لكن القوم لم يرعوا ويدعوا ماهم فيه بل تأدد بهم الشراسة الجامحة أن يعدوا على أنبياء الله فيقتلوا من ضاقوا بنصحه منهم لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقاً كذبوا وفريقاً يقتلون وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم والله بصير بما يعمي وكان آخر اختبارٍ سقطوا فيه موقفهم من عيس بن مريم فقد جاءهم هذا الإنسان الصالح يبغي ترقيق قلوبهم وتهذيب طباعهم وإلزامهم حدود الله وتعاليم الوحي الأعلى واعتناق حقيقة الدين بدل الاستمساك بقشوره والخروج على جوهره ولكنهم سخروا منه أقبح سخرية ورموه وأمه بأغلض الإفك ثم ابتغوا قتلة كشأنهم مع من سبقه بيد أن الله نجاه منهم ووقاه شرهم وكان هذا كما قلنا آخر اختبار لبني إسرائيل فقد كانت النبوات وقفا عليهم وهدايات السماء تنبعث من أرضهم وطالما صطعت أشعة الوحي في سحات المسجد الأقصى على أيدي رسل كرام غير أن هذه الأشعة ضاعت بين غيوم كثيفة من الشهوات ومحى أثرها شعب عز على العلاج بعد أن تغلغل الفساد الخلوقي والاجتماعي في أعماقه وقررت العناية العليا أن تنقل قيادة الإنسانية من جنس إلى جنس أو من أولاد إسرائيل إلى أولاد إسماعيل أو من اليهود إلى العرب كان عيسى بن مريم آخر إسرائيلي يرسل إلى قومه وكان تكذيبهم له آخر جرم يختم به تاريخهم الديني ثم يجيء دور العرب بعد إذن ليفتتح صفحة جديدة في الحياة بعدما ملأ اليهود الصفحات السابقة بمخازيهم ومآسيهم وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراه ومبشرا برسول يأتي من بعد اسمه أحمد فلما جاءهم بالبيّنات قالوا هذا سحر مُّبين ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام والله لا يهدى القوم الظالمين وفي تسويغ هذا الانتقال الحاسم، أول أولئك الحاقدين فإن الساسة الأمريكيين والأوروبيين المبغضين للإسلام وأمته يرون في إقامة دولة لليهود يرون في إقامة دولة لليهود على هذه البقعة من أرضنا خطوة لها ما بعدها في زلزلة الكيان الإسلامي كله ومن ثم حرصوا على خذلاننا في كل ميدان وتخييب أمالنا في كل سعي ولم نر من خمسين سنة أي مذبدة احتلال اليهود لفلسطين سياسياً مسيحياً يعارض اليهود أو يرثي للعرب المنكوبين حتى الجنرال ديغول رئيس حكومة فرنسا الذي يشاع أنه نصير للحق العربي لم يفكر قط في أن فلسطين للعرب وأن اليهود مختصبون لها غاية ما صنع أنه لأمر ما وقف ضد التوسع اليهودي الحالي وأيد ما يسمى محو آثار العدوان هامش المراد بعبارة محو آثار العدوان ما كسبته دولة اليهود في حرب عام 1967 م. هامش محمد مات وترك بنات كلمة هتف بها اليهود عقب انتصارهم على العرب في عام 1967 ميلي دي. إننا نميط لثام عن حقيقة مخيفة وهي أن الدين أبعد إبعاداً متعمداً عن ميادين الحرب والسلام جميعاً أن يخترق الآذان بالتوجيه الواجب بينما كانت اليهودية تعمل عملها في جبهة القتال وواراء الجبهة فهل نلام إذا تصورنا أن إبعاد الإسلام عن هذه الميادين ليس إلا عملاً لحساب إسرائيل أو لحساب القوة التي تساندها كلياً أو جزئياً كل الدلائل تشير إلى صدق هذا الاتهام والغريب أن العرب في تفلتهم من قيود الدين وأدابه ظهرت عليهم أعراض طفولة عقلية ونفسية مزرية فلم يتصرفوا مع عدو أو صديق تصرف الرجولة الناضجة والسيرة الواثقة الجادة،