التصميم والتطوير التعليمي هو المجال الأساسي لتكنولوجيا التعليم، وتاريخ تكنولوجيا التعليم الحديثة مرتبط بتطورهما. يعتمد تطور تكنولوجيا التعليم على التصميم التعليمي، الذي يستند إلى مبادئ نظرية النظم العامة، حيث تُنظر إلى العملية التعليمية كمنظومة. المنظومة هي كيان كلي مترابط الأجزاء يعمل لتحقيق أهداف محددة، ويتم تصميم مكوناتها بأسلوب النظم، وهو طريقة منهجية منظمة ذاتية التصحيح تعتمد على التفكير العلمي وحل المشكلات. تكنولوجيا التعليم كأي تكنولوجيا أخرى لها منتجات (المصادر والعمليات)، لكن جوهرها يكمن في عمليات التصميم والتطوير التعليمي. يوجد اتجاهان لتعريف التصميم والتطوير التعليمي: 1. **الاتجاه الأول (الأقرب للصواب ويؤيده المؤلف):** يرى أن التصميم التعليمي منظومة فرعية من عمليات التطوير، تعنى بتحديد المواصفات التعليمية الكاملة لمصدر التعلم. أما التطوير فهو العملية الشاملة لتحويل هذه المواصفات إلى منظومات تعليمية كاملة، وتشمل الإنتاج والتقويم والاستخدام والإدارة، وناتجه أشبه بالمباني الجاهزة للاستخدام (مثل ريجيليوث وريتشي). 2. **الاتجاه الثاني:** يفرق بينهما بأن التصميم يتعامل مع الدروس (مستويات مصغرة Micro) ويركز على تحليل المهمة وخصائص المتعلمين وتصميم الرسالة التعليمية واستراتيجيات الدافعية. أما التطوير فيتعامل مع المقررات (مستويات مكبرة Macro) ويركز على تقدير الحاجات وتحديد الأهداف ونظم النقل والتقويم وإدارة النشاط (مثل إيلي وكمب). **تعريف المؤلف للتصميم والتطوير التعليمي:** - **التصميم التعليمي:** - **كعملية:** هو تحديد المواصفات التعليمية الكاملة لأحداث التعليم ومصادره كمنظومات تعليمية كاملة، بتطبيق مدخل منهجي منظم قائم على حل المشكلات وفي ضوء نظريات التعليم والتعلم، لتحقيق تعليم كفء وفعال. مخرجاته تشمل تحليل الحاجات والمهمات والأهداف، وخصائص المتعلمين، والمحتوى واستراتيجيات تنظيمه، والاختبارات، واستراتيجية التعليم العامة، ومواصفات مصادر التعلم. - **كمجال دراسي:** هو البناء المعرفي العلمي المعني بالبحث والنظرية حول مواصفات وأحداث التعليم ومصادره المفضلة، وابتكارها وبنائها وتقويمها والمحافظة عليها، لدعم عملية التعليم ونواتجها المطلوبة. - **التطوير التعليمي:** هو العملية الواسعة والشاملة التي تتضمن الإجراءات التنفيذية لتحويل المواصفات والأحداث التعليمية إلى مصادر تعلم و/أو خطط دروس كمنظومات تعليمية كاملة ومتكاملة وإجازتها، بهدف زيادة كفاءة التعليم وفعاليته، بتطبيق مدخل منهجي منظم قائم على حل المشكلات، يشمل عمليات: التحليل، والتصميم، والتقويم، والاستخدام، والتحسين، والإدارة. **الفرق بين التصميم والتطوير:** 1. هما عمليتان متكاملتان ومتفاعلتان. 2. كلاهما يطبق مدخل النظم ويتبع خطوات منهجية محددة تشمل التقويم البنائي والرجع. 3. التصميم ذو طبيعة تخطيطية (مخططات المواصفات)، بينما التطوير ذو طبيعة تنفيذية (تحويل المواصفات لمنتجات جاهزة). 4. التصميم يتطلب معلومات تربوية ونفسية وتطبيقية، بينما التطوير يحتاج لمعامل وورش إنتاج. 5. التصميم قد لا يحتاج لنواحي مالية وإدارية، بينما التطوير يتطلب نمطاً مالياً وإدارياً وتوجيهياً للمشروع. 6. التصميم التعليمي هو اسم المجال الفرعي لأنه يمثل حلقة الوصل بين النظرية والتطبيق ويدرس المشكلات ويصل للحلول، بينما التطوير يختص بالإجراءات التنفيذية للإنتاج والتقويم. **ضرورة التصميم التعليمي:** دعا جون ديوي إلى "علم رابط" يربط بين نظريات التعليم والتعلم وتطبيقاتها، وهو ما يمثله التصميم التعليمي، لكي تكون النظريات والتطبيقات ذات نفع وقيمة. وبما أن التعليم منظومة، فيجب معالجته بمدخل المنظومات عبر عمليات التصميم التعليمي. فقد فشلت الجهود الإصلاحية السابقة لكونها جزئية ومتقطعة، والتغيير الحقيقي يتطلب شمول جميع المكونات ومراعاة ترابطها. بعد تقرير "أمة في خطر" (1983)، زادت المطالبة بالتصميم التعليمي للتغيير الجذري والشامل في النظم التعليمية عالمياً. **عوامل ملحة تدعو للاهتمام بالتصميم التعليمي:** 1. تزايد الاهتمام النظري والعملي به. 2. الحاجة الملحة لتصميم التعليم من وجهة نظر المنظومات لمواكبة التغيرات السريعة وعصر المعلومات، وإحداث تغيير جذري مشابه لما حدث تاريخياً. 3. عدم وجود تطبيقات ملموسة للتصميم المنظومي للتعليم على أرض الواقع، حيث لا تزال جهود الإصلاح قديمة ومتقطعة. 4. عدم دراية المصلحين التربويين بتصميم المنظومات التعليمية، وتبين أن 89% من المؤسسات التربوية بحاجة ماسة لبرامج التصميم التعليمي. 5. عدم وجود برامج أو مقررات دراسية كافية في التصميم التعليمي بالعديد من المؤسسات أو برامج إعداد المعلمين، ما يؤدي لتطبيق خاطئ ينُم عن نقص المعرفة والخبرة في عملية معقدة. لهذه الأسباب، أصبح دراسة التصميم التعليمي مطلباً ملحاً. **أهداف عمليات التصميم التعليمي:** يهدف التصميم التعليمي إلى توفير شروط التعلم ومواصفات التعليم المناسبة لتحقيق الأهداف التعليمية بكفاءة وفعالية، وهي مشتقة من نظريات التعليم والتعلم، وتشمل: **شروط التعلم:** 1. **أهداف التعلم:** يجب أن تكون واضحة، صريحة، كاملة، ومحددة بدقة (صياغة سلوكية)، ومعرفة المتعلمين بها مسبقاً يزيد الدافعية ويسهل الفهم والتحقيق بفعالية. 2. **الاستعداد والمتطلبات السابقة للتعلم:** يكون التعلم فعالاً إذا عرف المتعلمون قيمته وكانوا مستعدين له عقلياً وخبراتياً واجتماعياً وانفعالياً وجسمياً. ربط الجديد بالقديم يخلق استمرارية ويجعل التعلم أكثر فعالية. 3. **خصائص المتعلمين وسلوكهم المدخلي:** تحديد خصائص المتعلمين (العمر، الجنس، القدرات، السلوك المدخلي) ومراعاة الفروق الفردية ضروري لوصف التعليم المناسب. تفسير المثيرات يتم في ضوء الخبرات السابقة، والمثيرات نصف المألوفة تجذب الانتباه. 4. **الدافعية:** هي حالة تغير في نشاط الكائن الحي موجهة نحو تحقيق الهدف. التعلم الفعال يقوم على دوافع المتعلمين (داخلية أو خارجية) والتي تجعل التعلم غرضياً وتمد السلوك بالطاقة وتحدد الأنشطة. يمكن زيادتها بتعريف الأهداف، وتقديم أنشطة متنوعة، والإثابة، والمحفزات، وتعتمد فعاليتها على طبيعة المهمات. 5. **تنظيم المحتوى وتتابع عرضه:** يسهل تعلم المحتوى إذا كان له معنى ويرتبط بحياة المتعلمين ومنظم بطريقة توضح الترابط بين أجزائه (تألف معرفي). يمكن تنظيم المحتوى من الكل إلى الجزء أو العكس، ويعتمد الاختيار على الأهداف ومنطق بنية العلم وصعوبة المحتوى. التتابع الفعال يبدأ بعرض المهمة كاملة ثم تتابعات جزئية مع تدريبات واختبارات. 6. **استراتيجيات التعليم وطرائقه وأساليبه:** تؤثر الاستراتيجيات تأثيراً كبيراً في التعلم، وتهدف إلى تيسيره وجعله أعمق وفعالاً. اختيار الاستراتيجية يعتمد على الأهداف، نوع المحتوى، خصائص المتعلمين، وأسلوب التعليم. الاستراتيجية الفعالة تراعي مستوى المتعلمين وتعتمد على نشاطهم وإشراكهم وتوظف مصادر تعلم متنوعة. 7. **مصادر التعلم وتصميم الرسائل التعليمية:** يعتمد اختيار المصادر وتصميم الرسالة على نوع المثيرات وخصائص المتعلمين ونمط التعليم. التنويع في عرض المثيرات (مكتوبة، مسموعة، مرئية) يحسن التعلم. العروض البصرية أكثر فعالية للمفاهيم المعقدة. التصميم الفعال يجذب الانتباه، ويوفر أمثلة كافية، ويشتمل على تلميحات للتركيز، ويعتمد على العروض البصرية. وضع المثيرات المترابطة معاً يساعد على الإدراك والتعلم، وكذلك اقتران المثيرات المتنوعة المترابطة. المثيرات الحادة والملونة أو نصف المألوفة تجذب الانتباه. عند تعلم المجردات، ينبغي استخدام أمثلة وتشبيهات لتقريب المعنى. الوسائل المتعددة تكون أكثر فعالية إذا روعي التكامل والوظيفية والتفاعلية، ويجب ألا تكون "وجبة جاهزة" بل تتيح للمتعلم النشاط والإبداع. المثيرات البسيطة أوضح وأكثر فعالية من المعقدة، والمثيرات الواضحة تزيد الدافعية. 8. **المشاركة النشطة في التعلم:** التعلم عملية نشطة ويزداد فعالية بمشاركة المتعلمين (عقلية أو مهارية أو بدنية)، مما يسهل التعلم ويزيد من بقاء أثره. تهيئة فرص المشاركة في جو ديمقراطي يساعد على تنمية القيم والتفكير النقدي والإبداعي. النشاط العقلي يولد دافعية الإنجاز، والتنافس المعتدل يزيد الجهد المبذول في التعلم. 9. **المراجعة والتكرار والملخصات:** المراجعات والتكرارات الدورية (التسميع الذاتي) تزيد التعلم وتساعد على الألفة بالمثيرات وتكوين المعاني (وليس الحفظ الآلي). الملخصات والمراجعات الدورية بعد كل فكرة تساعد على استدعاء التعلم وبقاء أثره والربط بين القديم والجديد.