مقدمة تُعدّ المشكلة االقتصادية من الموضوعات األساسية التي يقوم عليها علم االقتصاد، الرتباطها بالعالقة بين الحاجات اإلنسانية والموارد المتاحة إلشباعها .فاألفراد والمؤسسات والمجتمعات يسعون إلى تحقيق أهداف متعددة تتطلب استخدام موارد مختلفة، غير أن هذه الموارد تتسم بالمحدودية النسبية مقارنة باالستخدامات الممكنة لها .ويؤدي هذا الوضع إلى عدم إمكانية تحقيق جميع األهداف االقتصادية بصورة متزامنة، األمر الذي يستدعي المفاضلة بين االستخدامات البديلة للموارد وتحديد األولويات. وقد احتلت مشكلة الندرة موقعًا أساسًيا في الفكر االقتصادي، خاصة مع تطور التعريفات التي تربط علم االقتصاد بدراسة السلوك اإلنساني في ظل محدودية الوسائل وتعدد الغايات .ويُعد تعريف االقتصادي ليونيل روبنز (Robbins Lionel(الوارد في مؤلفه الصادر سنة 1932من التعريفات المؤثرة في هذا االتجاه، حيث ربط الدراسة االقتصادية بالعالقة بين الغايات اإلنسانية والوسائل النادرة التي تقبل استخدامات بديلة .وقد ساهم هذا التصور في تطوير التحليل االقتصادي المتعلق باالختيار وتخصيص الموارد وتكلفة الفرصة البديلة . وال تقتصر المشكلة االقتصادية على المجتمعات التي تعاني انخفاض الدخل أو ضعف اإلنتاج، بل تشمل جميع المجتمعات، بصرف النظر عن مستوى تطورها االقتصادي .فزيادة الموارد ال تلغي بالضرورة الحاجة إلى االختيار، ألن الحاجات واألهداف تتطور، كما أن الموارد تظل قابلة الستخدامات متعددة .ولذلك فإن ارتفاع الدخل أو التقدم التكنولوجي قد يوسع نطاق البدائل االقتصادية المتاحة، لكنه ال يؤدي إلى زوال القيود التي تواجه األفراد والمؤسسات والحكومات في تخصيص الموارد. وتتحدد أبعاد المشكلة االقتصادية في ثالثة مفاهيم مترابطة، تتمثل في الندرة واالختيار وتكلفة الفرصة البديلة . فالندرة تعبر عن محدودية الموارد مقارنة بالحاجات واالستخدامات الممكنة، بينما يمثل االختيار العملية التي يتم من خاللها تحديد البديل المراد تنفيذه .أما تكلفة الفرصة البديلة فتعبر عن قيمة أفضل بديل يتم التخلي عنه نتيجة اتخاذ قرار معين .ومن ثم، فإن دراسة هذه المفاهيم بصورة منفصلة ال تكفي لفهم المشكلة االقتصادية، بل يتعين تحليل العالقة التي تربط بينها وآثارها في القرارات االقتصادية. وتظهر هذه العالقة في مختلف مستويات النشاط االقتصادي .فعلى مستوى الفرد، تبرز المشكلة عند توزيع الدخل المحدود بين االستهالك واالدخار أو عند تخصيص الوقت بين العمل والتعليم والراحة .وعلى مستوى المؤسسة، تتمثل في اختيار المشروعات والوسائل اإلنتاجية وتحديد كيفية استخدام رأس المال والعمل والتكنولوجيا .أما على مستوى الدولة، فتتجسد في قرارات توزيع الموارد العامة بين القطاعات االقتصادية واالجتماعية، وما يترتب عليها من آثار تتعلق بالكفاءة واإلنتاج والتوزيع. وتبرز أهمية دراسة المشكلة االقتصادية في أنها توفر أسا ًسا نظرًيا لفهم كيفية اتخاذ القرارات االقتصادية وتقييم البدائل المتاحة، كما تسمح بتفسير العالقة بين الموارد المحدودة والنتائج التي يسعى الفاعلون االقتصاديون إلى تحقيقها .وتُستخدم في هذا المجال مجموعة من األدوات التحليلية، من بينها قيد الميزانية ومنحنى إمكانات اإلنتاج والتحليل الحدي، وهي أدوات تسمح بتوضيح طبيعة المفاضالت وتحديد تكلفة القرارات في ظل الندرة. إشكالية البحث استنادًا إلى ما سبق، تتمثل اإلشكالية الرئيسية في السؤال اآلتي: كيف تؤدي ندرة الموارد االقتصادية وتعدد استخداماتها إلى ضرورة االختيار، وما دور تكلفة الفرصة البديلة في توجيه القرارات االقتصادية وتحقيق االستخدام الكفء للموارد؟