هناك رأي شائع لدى بعض الباحثين والنقاد من متأخرين ومعاصرين بأن أدب «المقامات» منذ ظهر في النثر العربي على صورته المتميزة في «مقامات» بديع الزمان الهمذاني الرائد الأول لهذا الفن، انما ظهر لغرض محض لغوي. وهم يقصدون ان البديع ومن جرى على طريقته بعد ذلك حتى عهد الحريري والعهود التالية له، لم ينشئوا هذا الطراز من النثر الا وسيلة لاظهار المقدرة اللغوية، أو لحفظ غريب اللغة في قوالب انشائية، أو لتكون هذه القوالب نماذج للمتعلمين يحفظونها عن ظهر قلب، فيتعلمون بها مفردات وأساليب الانشاء في وقت معاً، ويتخذونها عدة وأداة جاهزتين . وهل يثبت للنقد العلمي القائم على فهم العلاقة بين الأدب - كل فنون الأدب - وبين الحياة، حياة المجتمع البشري اطلاقاً؟ .اذا سلمنا بأن هذه العلاقة بين الأدب والحياة علاقة واقعية لا يمكن انكارها وقد صرنا الى زمن لم يبق فيه من ينكرها ولا بوجه، فانه من البداهة ان يقوم في اذهاننا اذن ان نشوء فن من فنون الأدب مهما كان شأنه في عصر معين وفي مجتمع معين، لا بد ان يكون بين نشوء هذا الفن وبين عصره ومجتمعه صلة أقوى حياة وأعمق أصولاً من مجرد كونه ظاهرة لغوية على هذا النحو الميكانيكي الذي يفسرون به ظاهرة نشوء «المقامات» .