نهبط بالقارئ الكريم إلى قرية صغيرة من قرى بلاد الروس، وندخل به إحدى أكواخها؛ حيث يرى سيدتين جالستين على مائدة واحدة تتناولان الشاي وتتسامران، وبينما هما في مسامرات لطيفة وحديث شهي؛ أدى بهما الكلام إلى المقارنة بين معيشة أهل الريف، لأن تلك كانت قد أفحمتها بذلاقة لسانها، إلا أنها تمكنت أخيرًا من تغيير مجرى الحديث قائلة: «أنا قانعة بمعيشتي هذه البسيطة ولو خُيِّرْتُ بينها وبين معيشتكم لما فضلت سوى ما نحن فيه من بساطةٍ ملؤها السعادة والهناء، فكم من أسر غنية كانت بالأمس ترفل في حلل الرفاهة والنعيم أصبحت اليوم بلا مأوى تسأل الناس قوت يومها فلا تجده، ما أبعدكم عن محجة اللطف والكمال أيها القرويون! بل ما أبعدكم عن معرفة ما فيه صلاح معاشكم ومعادكم! إنكم تجهدون أنفسكم صغارًا وكبارًا دائبين في العمل ليلًا ونهارًا، إلا أنه لم يتسرب إلى ربوعنا مفاسد المدنية ورذائلها بعدُ، وأخلاقنا على سذاجتها خالية من شوائب الأهواء النفسانية؛ ولكن أنتم في مدنكم تعيشون في جو محاط بالمكر والرياء، لا تأمن الزوجة فيه على بعلها، إذا بِتُّم ليلة على وفاق لا تلبثون أن تصبحوا على شقاق، أو يُوَسْوِسُ له الشيطان بمعاقرة بنت الحان؛ أو يسوقه الطمع إلى موائد القمار، أما ربُّ المنزل (باهوم) فكان جالسًا على الموقدة يسمع حوار المرأتين طوال تلك المدة، ثم ناجى نفسه قائلًا: «حقًّا إن شقيقة زوجتي على حق في بعض ما تقول، ثم يموت الواحد منا كما عاش دون أن يجني أقل ثمرة من عمله، آه لو كنت أملك قطعة صغيرة من الأرض لكنت الآن هنيء البال، فسمع حديث نفسه إبليس وكان على مقربة منه، وكان بينهما بعد ذلك من الحوادث ما سوف تقرأ خبره في الفصول التالية. أصبح باهوم والطمع يقيمه ويقعده، ولا همَّ له إلا امتلاك أرض يصبح فيها صاحب الكلمة المطلقة؛ يأمر وينهى كما يريد، وكان بالقرب من الأرض التي يزرع فيها حبوبه قطعة فسيحة من الأرض لسيدة من ذوات الأملاك؛ إلا أنه عرض لها أمر ذو بال ألْهاها عن تعهُّدِ الأرض بنفسها، فوكلت أمر زرعها واستغلالها لوكيل أشغالها الذي كان على جانب عظيم من الخشونة وقساوة الطبع، فأخذ يذيق ضعاف القرويين جيرانه مر العذاب، وقد حرص باهوم كلَّ الحرصِ على منع أسباب التحكك بجاره الغليظ الطبع، فيقع بينه وبين الوكيل أخْذٌ وردٌّ ينتهي في الغالب بغرامة يتحملها المسكين طائعًا صاغرًا. فقرَّ رأيهم على تأليف لجنة تقوم بشراء الأرض، فتألفت اللجنة وأرسلت من قِبَلها وفدًا إلى السيدة المالكة لشرائها، وأخيرًا عزموا على شراء المزرعة قِطَعًا، وأن يساوم كل منهم سيدة الأرض في القطعة التي يروم ابتياعها. جرى كل ذلك وباهوم ساكت لا يحرك ساكنًا، ينظر والهًا إلى المزرعة وهي تباع قطعة قطعة، إلى أن كان ذات يوم وقد سمع أن أحد جيرانه ابتاع من السيدة قطعة من المزرعة تبلغ الخمسين فدانًا، فناجى نفسه يقول: «إلى متى أظل ساكنًا والأرض تباع؟!» ثم حدَّث امرأته بآماله، وقد خاطبها قائلًا: «ألا ترين كيف أن أهل القرية يتهافتون على شراء المزرعة ونحن هنا لا نحرك ساكنًا؟ كلا؛ يجب أن نسعى في شراء قطعة من الأرض، وأخيرًا قر رأيهما على الشراء، ولم يكن عند باهوم سوى بضع عشرات من الروبلات، وأجَّر اثنين من أولاده في إحدى المزارع لمدة عام، فتوفر لديه جملة من المال يمكنه بها شراء قطعة صالحة من الأرض، فذهب إلى السيدة وساومها في قطعة من الأرض تبلغ الأربعين فدانًا، واتفق معها على دفع نصف الثمن فورًا، وحرر على نفسه وثيقة بالمبلغ. ووضع باهوم يده على الأرض، وبذا أصبح يملك قطعة من الأرض يجول النظر فيها على بقاع فسيحة شتى الألوان كثيرة النماء، ونظر إليها بغير العين التي كان ينظر إليها من قبل، إلا أنه احتمل ذلك في مبدأ الأمر، وأدى به الأمر إلى مشاكل عديدة، وبذا فَقَدَ هناءه القديم، وشاع في ذلك الوقت أن هناك أراضيَ زراعية جديدة عرضتها الحكومة للاستثمار، وأن الناس من جميع القرى يهاجرون إلى تلك الأراضي، ففكر باهوم في نفسه وقال: «فليهاجر من أراد من أهل القرية، وبينما كان باهوم يُمَنِّي النفس بهذه الآمال؛ ثم أتم حديثه قائلًا: «إن أولياء الأمور هناك يتبرعون بخمسة وعشرين فدانًا لكل من أراد استثمار تلك الأراضي الخصبة، فقال باهوم في نفسه: «ما الذي يمنعني من هجر هذه البقعة الضيقة إلى تلك البقاع الفسيحة؛ ولكن عليَّ أن أتحقق الأمر بنفسي أولًا. فركب زورقًا بخاريًّا أقلَّه حتى سمارا، ومن ثَمَّ قطع ثلاثمائة ميل على أقدامه، وعلم أن الفلاح المستثمر يُعطَى قطعة لا تقل مساحتها عن خمسة وعشرين فدانًا، وأن هناك أراضيَ أخرى معروضة للبيع، قيمة الفدان منها لا يزيد عن ثلاث روابل، ففرح باهوم بهذا الاستكشاف، أي أضعاف ما كان يملكه في قريته الأولى، وشراء الدواب اللازمة للعمل؛ ولذا كان في مبدأ هجرته قانعًا بحياته الجديدة فرِحًا بما رزقه الله، فصار ينظر إلى أرضه الجديدة بعين الاستصغار. فكان يشكو من بُعد الأرض وصعوبة النقل، ثم سار على هذه الوتيرة وهو يستأجر أرضًا ويزرعها قمحًا مدة ثلاثة أعوام، فربح أرباحًا وفيرة؛ إلا أن ذلك كله ما كان ليقلل من طمعه، واتفق أن أجَّر في العام الثالث قطعة من الأرض من بعض القرويين هو وأحد التجار، ثم وقع بينهما وبين أصحاب الأرض منازعات أدت إلى التقاضي، فتذمر باهوم وقال في نفسه: «كل ذلك ما كان ليقع لو أن الأرض كانت لي خاصة. فصلها باهوم بمبلغ ١٥٠٠ روبل يدفع نصف ثمنها فورًا، وقبل أن يتم البيع بأيام مر عليه بعض التجار وطلب منه علفًا لفرسه فاحتفى باهوم به ودعاه إلى تناول الشاي معًا، فأخبره أنه آت من أرض بعيدة تابعة لقبائل البشكير؛ حيث اشترى لنفسه هناك ثلاثة عشر ألف فدان من الأرض بمبلغ لا يزيد عن ألف روبل، وقد اشتريت لهم ملبوسًا وسجادة وعلبة من الشاي وبعض النبيذ وهدايا أخرى كلفني مجموعها نحو مائة روبل، وبهذه الوسيلة أكرمني الرئيس بأن تنازل عن ثمانية كوبكات في ثمن الفدان الواحد. قال ذلك وأخرج صك المبايعة يريه لباهوم وهو يقول: «إن موقع الأرض قريب من النهر، وهم على جانب عظيم من السذاجة وبلادة الطبع، ليس للأرض عندهم أدنى قيمة. » فأطبق خاتم الحرص على قلب باهوم وناجى نفسه قائلًا: «أنا الآن أملك ألف روبل، فأي شيء يجبرني على شراء قطعة من الأرض مساحتها ١٣٠٠ فدان، بينما يمكنني شراء عشرة أضعاف هذا المقدار بنفس المبلغ دون أن أثقل كاهلي بالدَّين؟!» لم يتردد باهوم في الأمر لحظة واحدة، ليتحقق الأمر بنفسه، وبعد مسيرة بضع ساعات حط رحاله في إحدى القرى؛ ثم واصل سيره حتى انتهى إلى مكان القبيلة بعد أن قطع مسافة لا تقل عن ثلثمائة ميل، فوجد الأمر كما وصفه الرجل، وَجُلُّ معيشتهم على اللحوم ومستخرجات الألبان، والنساء هن اللواتي يقمن بكل الأعمال، أما الرجال فلا همَّ لهم إلا الأكل وشرب الشاي والضرب على القيثارة، وكلهم أقوياء البنية صحاح الأجسام، وهم على درجة عظيمة من السذاجة وبلادة الطبع، وإنما يتكلمون بلغة خاصة بهم. وكان بينهم رجل يتكلم بالروسية، فتوسط بينه وبين قومه وسأله عن قصده، فأخبره باهوم أنه جاء ليصيب عندهم بعض الأرض، حيث أجلسوه على وسادة وثيرة، وقدموا له أعز ما لديهم من المأكل والمشرب، وبعد الانتهاء من الطعام قام باهوم إلى عربته، فارتسمت على وجوههم أمارات البِشْر والسرور، وأخذوا يتكلمون فيما بينهم مدة طويلة، فالتفت هذا إلى باهوم وقال له: «قد سُرَّ القوم من هديتك أيما سرور، ومن عادتهم إكرام الضيف بكل ما في وسعهم، » فأجابه باهوم: «جُلُّ رغبتي هو أن أصيب عندكم قطعة من الأرض لزرعها واستثمارها؛ فعادوا إلى حديثهم ثانيًا، وكان باهوم يجهل لغة القوم، ثم التفت إليه الترجمان قائلًا: «يقولون إنهم سوف يعطونك بكل سرور قدر ما تطلب من الأرض، فما عليك إلا أن تشير بيدك إلى قطعة الأرض التي تريدها لنفسك فتكون لك. وما كاد الرجل يتم حديثه حتى قامت ضجة بين القوم، فسأل باهوم عن جلية الأمر، فأخبره الوسيط أن القوم قد انقسموا إلى فريقين: فريق منهم يريد ألا يبت في الأمر حتى يحضر الرئيس، فوجم القوم وسكتوا كأنما على رءوسهم الطير، فقام باهوم مسرعًا وأحضر له نصيبه من الهدية وهي خمسة أرطال من الشاي وبعض الثياب النفيسة، والتف القوم حوله يحدثونه بشأن باهوم، وما كنت لأرد لك طلبًا، فاختر القطعة التي ترضاها لنفسك، فإن لدينا كثيرًا من الأرض كما ترى. فقال باهوم في نفسه: «كيف أقبل منه ذلك بمجرد القول بلا قيد ولا شرط، ولكن ألا يجدر بنا أن نستوثق الأمر بحجة أو سند؟ فإن الأعمار بيد الله، وسوف يكون الأمر كما تريد. وأنا أحب أن تعاملوني بمثل معاملته. فسأله باهوم: «وكم يكون الثمن؟» فأجابه الرئيس بقوله: «إن الثمن عندنا محدد لا يتغير، فإننا نأخذ ألف روبل عن اليوم (الكامل). » فلم يفهم باهوم ماذا أراد بقوله: «اليوم الكامل. » فسأله مستفهمًا: «ماذا تعني باليوم الكامل؟ وكم فدانًا يكون؟» فأجاب الرئيس: «نحن لا نستعمل المقاييس في مسح الأرض، وإنما نقدرها بالسير فيها يومًا كاملًا، وثمن الأرض التي يقطعها المرء مشيًا على أقدامه يومًا كاملًا هو ألف روبل. » ففرح باهوم وصاح قائلًا: «ولكنني أقطع في اليوم أرضًا كبيرة للغاية. فأجاب الرئيس: «كل ما تسير على قدر جهدك يكون ملكًا لك، على شرط الرجوع قبل غروب الشمس، » فقال باهوم: «ولكن كيف السبيل إلى معرفة الأرض التي أقطعها؟» فأجابه قائلًا: «إن ذلك سهل ميسور؛ عليك أن تختار لنفسك بقعة من الأرض تسير منها، وعند الانتهاء نصل نحن تلك العلامات بحراثة دائر في الأرض التي تقطعها في اليوم، ولك مطلق الحرية في أن تسير في الأرض كما تريد، على شرط الرجوع قبل غروب الشمس. بعد أن وعده الرئيس بأن يوافيه صباحًا قبل بزوغ الشمس. رقد باهوم طول ليلته وهو يبني لنفسه القصور والعلالي، ثم رأى فيما يراه النائم أن الرئيس أقبل عليه ينتظره على باب الخيمة، وإنما هو الرجل التاجر الذي أرشده إلى أراضي البشكير، وإذا به يرى في وجهه صورة الرجل القروي الذي أقبل إليه في قريته الأولى من جهة الفولجا، فهمَّ أن يصافحه ويترحب به، وإذا به يرى في وجهه صورة إبليس اللعين في شكل بشع ومنظر مريع. فرأى جثة إنسان ملقاة على مقربة منه، ثم قام من نومه وهو على هذه الحالة ممتقع اللون ترتعد فرائصه فرقًا، فلم ير غير حمرة الشفق، فعلم أن ستر الليل أوشك أن يتمزق، فلا يمضي القليل حتى يسفر الصباح عن وجهه، » ثم ذهب مسرعًا نحو خادمه الذي كان نائمًا في العربة، فأيقظه وأمره بالاستعداد، وعرض على باهوم تناول بعض الشاي، فلنبدأ بالعمل إن كنا فاعلين. عند ذلك وقف القوم استعدادًا للمسير، وركب باهوم عربته، وسار في طليعة القوم مع الرئيس، وبعد أن ساروا قليلًا، ولك أن تسير فيه أنَّى تشاء. » وبعد أن قال ذلك خلع قبعته ووضعها على الأرض قائلًا: «فلتكن هذه القبعة علامة لمبدأ سيرك فابتدئ في السير من هنا، وكل الأرض التي تمشي بها تكون ملكًا لك. ولم يتمالك باهوم من إظهار الفرح والسرور عندما رأى ذلك السهل الفسيح وتيقن أنه خصب يصلح لزراعة كل أنواع الحبوب، وشمر عن أكمام قميصه؛ ليكون خفيف الحمل في السير، وتمنطق بسير من الجِلْد شدَّه على وسطه، ثم أمسك بالفأس والتفت يمنة ويسرة؛ وبعد أن وقف برهة ناجى نفسه قائلًا: «كل الأرض سواء، ولكن يحسن بي أن أسير نحو الشرق. » قال ذلك وحمل فأسه على ظهره، وسار يتبع مشرق الشمس. وبعد أن قطع نحو ألف ياردة وقف قليلًا فحفر الأرض، فقطع بذلك ألف ياردة أخرى وجعل علامة أخرى، ثم مشى قليلًا ونظر إلى التل حيث كان القوم، لأنه كان قد ابتعد عنهم كثيرًا بمسافة لا تقل عن الثلاثة أميال — كما قدرها باهوم في نفسه، فقال في نفسه: «قد قطعت ربع ما يجب أن أقطعه في اليوم، وكان كلما سار وجد الأرض أخصب والتربة أجود، فوقف ريثما جعل علامة لوصوله تلك البقعة ثم جلس للغداء، فأكل بعض الزاد وشرب قليلًا من الماء وانتصب واقفًا وهو يقول: «يجب أن أسير؛ فسار من وقته وقد أراد أن يعطف إلى وجهة أخرى؛ غير أنه أبصر على مقربة منه أرضًا منخفضة فقال في نفسه: «هذه الأرض تصلح لزراعة الكتان، » قال ذلك ومشى حولها حتى إذا ما أتم مسيره وقف عند نهايتها، فأسرع لوقته وهو يقول: «إن الأرض التي قطعتها لا نسبة بين طولها وعرضها؛ ولكن رغم ذلك فقد أصبحت أملك قطعة فسيحة من الأرض. لتكون علامة وصوله تلك الجهة، وبعد أن أتم عمله انعطف نحو التل يريد الرجوع مسرعًا، فصار يمشي بصعوبة ويتهادى في مشيته كالشيخ الضعيف بعد أن كان يهرول، لكثرة ما اصطدم أثناء مشيه بالحجارة والحصى وهو لا يعي، وخلع بعد ذلك صدرته، وهكذا صار يرمي ما عليه من الملابس حتى لم يبقَ عليه سوى القميص والسروال. وأمسك بيده الفأس ليتوكأ عليه، وسار يعدو بكل قواه، واستمر مدة على هذه الوتيرة، ثم نظر إلى الشمس فعلم أنها لا تلبث أن تغرب، ففزع لذلك كل الفزع وقال في نفسه: «رباه، » فجمع نفسه وسار يمشي بكل قوته حتى قارب التل فسمع صياح القوم من بعد؛ فتشجع ثانية وأخذ يعدو بكل ما فيه من قوة وعزم. وكانت الشمس قد قاربت الغروب فلا تمضي بضع دقائق حتى تختفي عن الأنظار إلى ما وراء الشفق الأحمر، إلا أن باهوم كان في ذلك الوقت على مسيرة بضع خطوات من سفح التل يسمع صياح القوم ويميز أصواتهم ويرى قبعة الرئيس، عند ذلك تذكر ما رآه في الحلم، وأنه ما عليه إلا أن يجمع عزيمته ثانية فيصل إليها ويملك الأرض. » إلا أن القوم لم ينقطعوا عن صياحهم وندائهم، وجمع كل ما لديه من قوة وعزم، فقد أصاب قطعة كبيرة من الأرض. » ثم أسرع خادم باهوم ليرفعه عن الأرض، ولكنه ما كاد يرفعه قليلًا حتى سال الدم من فمه وارتمى على الأرض جثة هامدة، فوجم القوم وأطرقوا برءوسهم إلى الأرض وقد ارتسمت على وجوههم أمارات الكآبة والحزن.