فقد مضى يزاوج بين الماضي والحاضر،المديح عند بشارالمديح أهم غرض وصل بشارا بالتراث القديم، فقد حافظ فيه محافظة شديدة على سنته الموروثة، سواء من حيث جزالة الصياغة ورصانتها ومتانتها، أو من حيث المنهج الذي سار عليه القدماء، إذ كانوا يقدمون بين يديه وصف الأطلال والنسيب والغزل ووصف البعير أو الناقة ورحلتهم عليهما في الصحراء مستطردين إلى وصف مشاهدها الطبيعية وما يجري فيها من حيوان، ثم يخرجون من ذلك إلى المديح بمآثر الأفراد والقبائل نائرين في أطراف قصيدهم بعض الحكم. بل لقد احتذى نفس المعاني والأخيلة، وبلغ من شدة هذا الاحتذاء عنده أن نظم بعض مدائحه على غرار أراجيز رؤية مكثرا فيها من الغريب الوحشي كار جوزته: (يا طلل الحي بذات الصمد).- وإذا تركنا إطار المديح ومقدماته إلى معانيه التي ساقها في وصف الخلفاء والولاة وجدناه يخلع عليهم نفس الشيم الرفيعة التي طالما خلعها الجاهليون والإسلاميون على ممدوحيهم من الكرم والمروءة والشجاعة والنجدة وإباء الضيم.ونرى بشارا يستمد جمهور معانيه في المديح من القدماء، وهذا نفسه يلاحظ على مقدماته الطللية والغزلية. لكنه كان يحاول النفوذ إلى معان وصور جديدة يستلهم فيها حسه المرهف وعقله الدقيق وذوقه الحضاري المترف.وحري بنا أن نقف عند قصيدته البانية التي مدح بها يزيد بن عمر بن هبيرة وفي رواية أنه مدح بها مروان بن محمد، يستهلها بقوله: جفا و ده فازور أو مل صاحبه وازری به أن لا يزال يُعاتبةفإننا تجده يستهلها بالنسيب ووصف سرى الليل على بعيره وسط الفيافي المقفرة، ويستطرد إلى وصف حمار الوحش وأنتنه، وبشار في كل ذلك ينزع منزع القدماء.ولكن لا تظن أنه طابق النموذج القديم تمام المطابقة، وتلقانا هذه الحيوط واضحة في نسيه، إذ تحدث فيه عن الصداقة والصديق، وكأنه يستلهم ما كتبه فيهما ابن المقفع بكتابه (الأدب الكبير)، يقول:إذا كنت في كل الأمور معاتباصديقك لم تلق الذي لا تعاتبهفعش واحدا أو صل أخاك فإنهمقارف ذنب مرة ومجانيهإذا أنت لم تشرب مرارا على القذىونمضي معه في وصف مشاهد الصحراء وصفا حيا، حتى إذا انتهى منه إذا الملك الجبار صغر خده وأي الناس تصفو مشاربه ؟