أولا- التطور التاريخي للمالية العامة: إن ظهور الدولة قبل ظهور ماليتها العامة، ولهذا فقد ارتبط ظهورها بظهور الحضارات القديمة وسنحاول التطرق إلى مراحل تطور المالية العامة عبر المراحل المختلفة. 1- المالية العامة في العصور القديمة: عرفت الأنظمة المالية عند الفراعنة واليونان والرومان، كذلك في بلاد فارس والهند والصين، وقد اتسمت تلك الامبراطوريات بكثرة الحروب فيما بينها بالإضافة إلى كثرة الثورات الداخلية، وكما هو معلوم فإن الحرب بحاجة إلى تجهيز لها، فالدولة الغازية بحاجة إلى أموال لبناء وتجهيز الجيش، كما أنها و بنفس الوقت بحاجة إلى بناء القلاع والحصون بحماية نفسها من أي عدوان خارجي، لذا بالإضافة إلى حاجة الدولة للمال كي بحافظ على الأمن الداخلي والاستقرار السياسي، و بما أن الميزة الأساسية كما ذكرنا لتلك الامبراطوريات هو كثرة الحروب، فإن الحاجة إلى المال كانت دائما قائمة، ليس هذا فحسب بل أن المنتصر كان دائما يحتفل بالانتصار، من هنا كانت الحاجة إلى المال للقيام بالاحتفالات الرسمية والخاصة بالحاكم، فكانت سلطة الحاكم في تلك الفترة مطلقة ولا يوجد هناك فرق بن حاجات الحاكم الخاصة و الحاجات العامة أو بعبارة أخرى لا يوجد فرق بين حاجاته الفردية وحاجات الحكم، ومن هنا كان لابد من وجود أنظمة مالية عبارة عن تعليمات وأوامر وتوجيهات من الحاكم، تعالج فقط التفكير بمسار الإيرادات وأوجه النفقات بين الحاجات الحاكم الفردية وحاجات الحكم، فالنفقات كانت لا تصب للمصلحة العامة بل بصلحة الحاكم الخاصة. - المالية العامة في العصور الوسطى: مع تطور المجتمعات وظهور نظام الإفظاع في العصور الوسطى من انهيار الامبراطورية الرومانية وحتى القرن الخامس عشر انهيار نظام الإفظاع، برز طبقتين في المجتمع هنا طبقة السادة الإقطاعيين وطبقة أرقاء الأراضي والفلاحيين، فالعلاقات الاجتماعية والاقتصادية و المالية كانت تقوم على أساس التقسيم الطبقي، في هذه المرحلة تم اكتشاف أمريكا، الأمر الذي جعل وجود العبيد نادر عند الإقطاعيين بسبب بيعهم في القارة الجديدة المكتشفة، حيث تم تأجير الأراضي للفلاح مقابل ريع عيني أو نقدي جراء قيام الأخير بفلاحة الأراضي، فظهر ما يطلق بنظام الدومين، والذي حمل علاقات سياسية وإنتاجية ومالية واجتماعية جديدة، وبرز طبقة السادة المالكين لأراضي من الإقطاعيين، فالدومين عبارة عن قطعة من الأراضي يخصها لنفسه و تزر ع بواسطة فلاحي عبيدا و أحرارًا على أن تعود الغلة لصاحب الأرض. 3- المالية العامة في الإسلام: إن الحديث عن النظام المالي في الإسلام لا يمكن أن نوفيه حقه في بهذا الجزء البسيط، لذا سنحاول إلقاء الضوء على الإيرادات العامة والنفقات العامة في النظام الإسلامي باختصار شديد : - مصادر تمويل الدولة الإسلامية: أ- الزكاة: هي فريضة وإحدى أركان الإسلام، كما أنها تطهر النفس، وهي تلزم ان المسلمين بالزكاة و يعبن من يقوم بجبايتها، وتفرض الزكاة على كل شيء يعد أصلاً من أصول المنافع المتبادلة في الحياة الدنيا مثل (الإبل، البقر، الغنم، ..). و ما أشبهها، و من النقود الذىب و الفضة و ما شابو ذلك، و من الطعاـ (التمر، قمح، ..). و بكوىا. ب- الخراج: تفرض على الأراضي التي فتحها المسلمون صلحا و عنوة. جـ- عشور التجارة: وهي ضرائب على تجارة المسلمين و أهل الذمة الحرب إذا مروا بتجارتهم في أرض المسلمين، وذلك مقابل حماية الدولة الإسلامية للتجار وتجارتهم. جـ- الجزية: مبلغ من المال يفرض على رؤوس أهل الذمة الذين دخلوا حوزة المسلمين، ولا يوجد تحديد لهذا المبلغ المالي. د- خمس الغنائم: التي يستولي عليها المسلمين من جيوش المشركين، لله و لرسوله و لذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. - أوجو الإنفاق العام: - الإنفاق على من لهم حق الزكاة. - الإنفاق على الولد والأهل وذوي القربى، بما يتناسب مع المقدرة على ذلك. - الإنفاق كصدقة لمن له حاجة بها من الفقراء و المساكين وابن السبيل - الإنفاق لخدمة المصلحة العامة (صناعة، زراعة، بذارة، ...). - الإنفاق على مرافق الدولة وأمنها. - الإنفاق على التنمية والتطوير 4- المالية العامة في النظام الرأسمالي: يمكننا معالجة المالية العامة في هذا النظام من خلال مرحلتين رئيسيين: أ- مرحلة الاقتصاد الحر الماليّة العامة التقليدية (الحيادية ويطلق عليها (الدولة الحارسة)، ولقد ساد مفهوم السياسة المحايدة في القرن السابع عشر والثامن عشر عندما سادت أفكار النظرية الكلاسيكية التي كانت تقوم على أساس ترك النشاط الاقتصادي للأفراد دون تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي على أن تقتصر تدخلها أو وظيفتها الأساسية على توفير الأمن والحماية والعدالة والدفاع والسهر على استمرارية بعض المرافق العامة، أي أنها تحرس النشاط الاقتصادي دون التدخل في الآلية التي يعمل بها، بالمقابل مبدأ (الحياد المالي) أي تحديد الإيرادات التي يمكن الحصول عليها، للوفاء بالتزامات الدولة لأداء وظيفتها، دون الحصول على أكثر من ذلك. ب- مرحلة الدولة المتدخلة: جاءت هذه المرحلة كنتيجة للأزمة التي أعقبت الحرب العالمية الأولى والتي تميزت بإعادة النظر في معظم المبادئ المالية الكبرى للنظرية الكلاسيكية، وتركت الدولة الليبرالية مكانها للدولة المتدخلة عقب الأزمة الاقتصادية الكبرى سنة1929، ومن خلال هذا الشك بمكن أن تتدخل، توجه أو ترفع من أداء الاقتصاد. 5- المالية العامة في النظام الاشتراكي: ويطلق عليها (السياسة المالية المنتجة)، حيث أنّه مع ازدياد تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي و قيام الثورة البلشيفية في الاتحاد السوفيتي السابق عام 1917وازدهار المفاهيم الاشتراكية والنزاعات نحو التأميم وغيرها، بدأ ينتشر مفهوم الدولة المنتجة الذي له يكتف بمجرد التدخل في النشاط الاقتصادي والاجتماعي، بل تعدى ذلك إلى ملكية واسعة لوسائل الإنتاج، وأصبحت الدولة تنتج جنبا إلى جنب مع الأفراد وبدرجات مختلفة حسب درجة الاقتراب من الاشتراكية، حتى أصبح النموذج للدولة الاشتراكية يقترب من سيطرة تكاد تكون كاملة على وسائل الإنتاج، واختفى تقريبًا دور الأفراد في النشاط الاقتصادي وامتلاك وسائل الإنتاج أي: - إن وظيفة الدولة تغيرت حيث أصبحت لها السيطرة الكاملة على النشاط الاقتصادي والاجتماعي في الكثير من المجتمعات، واختفى في هذا النموذج النشاط الفردي. - أن المالية السائد في مجال المالية العامة للدولة، هو الربط الكامل بين التخطيط المالي للدولة، والتخطيط الاقتصادي الشامل، وأصبح النشاط المالي للدولة جزءا لا يتجّزأ من نشاطها الاقتصادي والذي يرتبط ارتباطًا كاملاً بتخطيط الاقتصاد الوطني وتوزيع الدخل الوطني وإعادة توزيع وتوجيهه نحو مختلف استخداماته. - إن هدف السياسة المالية والنظام المالي هو محاولة تحقيق عدد من الأهداف و تحقيق التوافق بينهم، وهي هدف إحداث التوازن المالي، وهدف إحداث التوازن الاقتصادي، و هدف إحداث التوازن الاجتماعي، وهدف إحداث التوازن العام