الليلة الأولىوصلت أيها الشيخ - أطال الله حياتك - أول ليلة إلى مجلس الوزير - أعز الله نصره، وشد بالعصمة والتوفيق أَزْرَه - فأمرني بالجلوس، وبسط لي وجهه الذي ما اعتراه منذ خلق العبوس؛ثم قال بلسانه الذليق، وأنا أرباً بك عن ذلك، ولعلي أعرضك لشيء أنبه من هذا وأجدى، ولذلك فقد تاقت نفسي إلى حضورك للمحادثة والتأنيس، لا أحصيها لك في هذا الوقت، وحاضر علمك ؛ وربحذهنك، ولا تجبن جُبن الضعفاء، وبالغ إذا وصفت؛ واصدق إذا أسندت وافصل إذا حكمت، إلا إذا عَرَضَ لك ما يوجب توقفاً أووقد طَمِعتُ بالنفاق (۱) وانقلبت بالخيبة، وقد عقدت خِنْصَري على المسألة .فقال - حرس الله روحه -: قل - عافاك الله - ما بدا لك، فأنت مجاب إليه مادمت ضامناً لبلوغ إرادتنا منك،قلت : يؤذن لي في كاف المخاطبة، وتاء المواجهة، حتى أتخلص من مزاحمة الكناية ومضايقة التعريض،قال : لك ذلك، وكذلك غيرك، وما في كاف المخاطبة وتاء المواجهة؟ إن الله تعالى - على علو شأنه، وبسطة ملكه، وقدرته على جميع خلقه -يواجه بالتاء والكاف، ويا عمر أصلحك الله ؛ وما عاب هذا أحد، وما أنف منه حسيب ولا نسيب، ولا أباه كبير ولا شريف وإني لأعجب من قوم يرغبون عن هذا وشبهه، وأظن أن ذلك لعجزهم وفسولتهم (۲)، وانخزالهم وقلتهم وضؤولتهم، وأن هذا التكلف والتجبر يمحوان عنهم ذلك النقص، وذلك النقص ينتفي بهذا الصلف ؛ ومن مقابح الزهو والكبرياء.فقلت : أيها الوزير، قد خالطت العلماء، وخدمت الكبراء وتصفحت أحوال الناس في أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم، فما سمعت هذا المعنى من أحد على هذه السياقة الحسنة والحجة الشافية والبلاغ المبين؛ وقد قال بعض السلف الصالح : ما تعاظم أحد على من دونه إلا بقدر ما تَصاغَرَ لِمَنْ فوقه. والتصاغر دواء النفس وسجية أهل البصيرة في الدنيا والدين؛ ولذلك قال ابن السماك للرشيد - وقد عجب من رقته وحسن إصاخته لموعظته وبليغ قبوله لقوله وسرعة دمعته على وجنته - : يا أمير المؤمنين، لتواضعك في شرفك أشرفُ من شرفك،قال : هذا باب مفترق فيه، سيما إذا كان من خطرات العقل، وحروف متقاومة ؛ ولفظ عذبفقال: وأي معونة لهؤلاء من العقل ولا عقل لهم؟قلت : ههنا عقل بالقوة وعقل بالفعل، ولهم أحدهما وهو العقل بالقوة، وههنا عقل متوسط بين القوة والفعل مزمع، فإذا برز فهو بالفعل، وخلط بالمحال ووصل بما يُعجب ويُضحك ولا يؤول إلى تحصيل وتحقيق مثل ( هزار أفسان) (۱) وكل ما دخل في جنسه من ضروب الخرافات، والحس شديد اللهج بالحادث والمحدث والحديث، لأنه قريب العهد بالكون، وله نصيب من الطرافة. كأنه أراد اضقلوها واجلوا الصَّدأ عنها، وأعيدوها قابلة لودائع الخير، أي تغطت؛ ومنه الدثار الذي فوق الشعار - لم ينتفع بها والتعجب كله منوط بالحادث؛ ومثال ما يقدم بالزمان الذهب والياقوت وما شابههما من الجواهر التي بعد العهد بمبادئها، وأما ما قدم بالدهر، فكالعقل والنفس والطبيعة؛ فأما الفلك وأجرامه المزدهرة في المعانقة العجيبة، ومناطقه الخفية، وأحدثت فيما سلف منها صورة زمانية . فهو مضمن معنيين: أحدهما يشار به إلى أن مادته بالية؛ وكان ابن عباد قال لكاتبه مرة - أعني ابن حسولة - في شيء جرى . نعم، العالم عتيق ولكن ليس بقديم أي لو كان قديماً لكان لا أول له، ولما كان عتيقاً كان له أول، ومن أجل هذا الاعتقاد وصفوا الله تعالى بأنه قديم واستحسنوا هذا الإطلاق. وقد سألت العلماء البصراء عن هذا الإطلاق، فقالوا: ما وجدنا هذا في كتاب الله - عز وجل - ولا كلام نبيه - - ولا في حديث الصحابة والتابعين. وسألت أبا سعيد السيرافي الإمام : هل تعرف العرب أن معنى القديم ما لا أول له؟ فقال : هذا ما صح عندنا عنهم ولا سبق إلى وهمنا هذا منهم، ما الفرق بين الحادثوالمحدث والحديث ؟فكان من الجواب أن الحادث ما يُلحظ نفسه والمحدث ما يلحظ مع تعلق بالذي كان عنه محدثاً.وههنا شيء آخر، وهو الحدثان والحدثان؛ فأما الأول فكأنه لما هو (1) مضارع للحادث، وأما الحدثان فكأنه اسم للزمان فقط، لأنه يقال : كان كذا وكذا في حدثان ما ولي الأمير»، وعلى هذا يدور أمر الحدث والأحداث والحادث والحوادث.قال : ما الفرق بين حدث وحدث ؟قلت : لا فرق بينهما إلا من وجهة أن حدث تابع لقدم، فإذا قيل لإنسان : حدث يا هذا فكأنه قيل له : صل شيئاً بالزمان يكون به في الحال، لا تقدم له من قبل.ثم رجعت فقلت : ولفوائد الحديث ما صنف (أبو زيد) رسالة لطيفة الحجم في المنظر، شريفة الفوائد في المخبر، وقد أحصاها واستقصاها وأفاد بها.فقال : احملها واكتبها، ولا تمل إلى البخل بها على عادة أصحابنا الغثاث .قلت : السمع والطاعة . على التلال العفر. ولبسنا اللين وأكلنا الطيب حتى أجمناه ، (۱) وما أنا أنا اليوم اليـ إلى شيء أحوج مني إلى إلى . ويطرب إليه القلب». وهذا أيضاً حق وصواب، كما أن البدن يكل، وكما أن البدن إذا كل طلب الراحة كذلك النفس إذا ملت طلبت الروح وكما لا بد للبدن أن يستمد ويستفيد بالجمام الذاهب بالحركة الجالبة للنصب والضجر، كذلك لا بد للنفس من أن تطلب الروح عند تكاثف الملل الداعي إلى الحرج فإن البدن كثيف النفس، ولهذا يُرى بالعين، كما أن النفس لطيفة البدن، ولهذا لا توجد إلا بالعقل والنفس صفاء البدن، والبدن كدر النفس. فما كل أحد يسمح بهذا في مثل هذا المقام، وما كل أحد يأبه لهذا الفعل ؛ هات ملحة الوداع حتى نفترق عنها، ثم نأخذ ليلة أخرى في شجون الحديث.قلت : حدثنا ابن سيف الكاتب الراوية،