النص:لم يكن للأدب حظّ في صدر الإسلام لانشغال العرب بالفتوح بغية نشر الدعوة وتنظيم دولتهم التي اتسعت أرجاؤها.وقد حافظت الروح الأدبية في هذا العهد على ما كانت عليه في الجاهلية فلم يبتعد الأدب دائرة الشعر تقريبًا، إذ أصبح يمثل بعض مظاهر السلطة، لأن القرآن ليس من الشعر في شيء، ولا يصح أن يكون أنموذجًا له. ولو أن القرآن الكريم قد غضّ من شأن بعض الشعراء، فلأنهم كانوا من أعداء الإصلاح ومن دعاة الفوضى قال تعالى: «والشعراء يتبعهم الغاوون. ألم تر أنهم في كل وادٍ يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون» (الشعراء: 225-226).على أن الشعر قد ارتفع على قدر هؤلاء الذين قاموا بنصرة المبادئ القوية ودافعوا عنها فأحلّهم أحلّ اللائق بهم من الشرف، كما شجّعهم الرسول وأنزل لهم العطاء تقديرًا لمواقفهم واعتبر هذا النوع من الجهاد في سبيل الله والانتصار للحق. وأحسن مثل لذلك الشاعر المخضرم حسان بن ثابت الذي قرّبه الرسول إليه. وليس أدلّ على احترام الإسلام للشعر من قول الرسول: «إن من البيان لسحرًا وإن من الشعر لحكمة».وكان شعراء هذا العصر لا يزالون على ما كان عليه أسلافهم في الجاهلية برغم تأثرهم بالقرآن وأسلوبه، فإذا قرأت قصيدة لشاعر من أنصار الدعوة في مدح الرسول أو هجاء المشركين، أو في هجاء المسلمين، ألفيت هذه القصيدة أو تلك لا تكاد تخرج عما كان يمدح به الشعراء شيوخ القبائل في الجاهلية أو يهجونهم به، ولو أنه قد كثر فيها الحديث عن الجنة والنار والحساب والعذاب والبعث والنشور، وما إلى ذلك من الأمور الدينية التي لم يعن بها العرب الجاهليون في أشعارهم.وما هو جدير بالملاحظة أن الشعراء الذين ناهضوا الرسول وقاوموا الدعوة لم يكونوا أقل من الشعراء المسلمين تأثرًا بالقرآن وما جاء به من المعاني الدينية، للإيمان به أو الرد عليه، ولهذا كانوا يوجهون اهتمامهم — إذا أرادوا هجاء الرسول أو الغضّ من شأنه — إلى تعرف أقوال المسلمين ومعتقداتهم ومقابلة ذلك بدينهم القديم ليستطيعوا دفع هجمات الرسول عن معبوداتهم وسخرية من نظمهم الدينية وأوضاعهم الاجتماعية، لذلك نالت هذه الناحية شيئًا من اهتمام الخطباء والشعراء والجدليين، وكثر ورودها على ألسنتهم بعد أن كانت من الأمور التي لا يعرض لها العربي في حياته العادية أو لا يلمّ بها إلا إلمامًا يسيرًا.ومن هنا نشأت معارضة القرآن وهي الإتيان بكلام يشبهه في بلاغته وخصائصه الفنية، وكان القرآن أولى معجزات الرسول وأقواها في الدلالة على أنه رسول من عند الله، لأنه أتى بكلام لا يستطيع أي إنسان أن يأتي بمثله، وقد تحدّى الرسول والقرآن العرب جميعًا بفصاحتهم وتفننهم في أساليب الكلام أن يأتوا بقرآن مثله فعجزوا، ثم تحدّاهم بعد ذلك أن يأتوا بعشر سور فقط فعجزوا أيضًا قال تعالى: «وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين» (البقرة: 23). وقال تعالى: «قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا» (الإسراء: 88).وقد اشتهر من شعراء المسلمين حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وكعب بن زهير، وضرار بن الخطاب،