ما إن وطئت قدماي مدرج مطار إسلام آباد حتى انصرف تفكيري نحو أخي هزاع قبل ست وعشرين سنة أقلتنا سفينة إلى هذا البلد قبل أن نسافر جواً إلى نيودلهي. هذه المرة أقلتني طائرة بصفتي رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة. عجباً كيف أن بعض الأمكنة تكلمك وتبدو لك أليفة بعد أن كانت مجهولة بالأمس. هذا على أي حال ما أحسسته لدى اكتشافي باكستان منذ ذلك الحين بقيت هذه البلاد عزيزة علي. هكذا بقيت باكستان عزيزة علي. لكن يجدر القول إن إسلام آباد مدينة محيرة حيث الشوارع والجادات تكاد تسحقها الحرارة وتجمع حروف الأبجدية بمعنى لا يعرفه أحد سواها. مساء اليوم الذي وصلت فيه أقيم حفل عشاء رسمي تكريماً لي. على الرغم من الطابع الاحتفالي لهذا العشاء كان ثمة تباين مع الجو المتكلّف في ولائم قصر باكنغهام. حل لحم الغنم محل السلمون، والبرياني محل التفاح البري، جلست إلى يمين الرئيس ذو الفقار على بوتو حدثني بحماسة عن الآمال التي يرجو تحقيقها لبلاده كان بصدد تطبيق ما أسماه «الاشتراكية الإسلامية» معتبراً أن تعاليم الإسلام متلائمة مع مبدأي المساواة وإعادة توزيع الثروات ولتحقيق هذا الهدف يعتزم القيام بسلسلة طويلة من التأميمات ابتداء بالبنوك والقطاع الصناعي. فقبل خمس وعشرين سنة لم تكن العاصمة الباكستانية موجودة ولم يكن فيها سوى الأعشاب الضارة ترعاها الجمال الجائعة. لفتني فيه وجه فتي أسيل يخفي عمره الذي قدرته بحوالي أربعين عاماً. أستاذ العلوم الطبيعية في جامعة القائد الأعظم. حييته واضعاً يدي على صدري وانتظرت التتمة. سمعت أنك تهوى صيد الصقر. التمتعت عيناي ما إن تذكر هذه الكلمة حتى تستيقظ التفت على الفور نحو مضيفي. كبح علي بوتو انتفاضة ذعر صغيرة. - أنت تكلم بدوياً، لكن لا بد من حراس يرافقونكم. أشرت بإصبعي إلى الأستاذ: لعلك تقبل أن تكون دليلنا. ألقيت نظرة خاطفة على نشيبي. بدأنا المسير يرافقنا موكب عسكري اختيرت عناصره بدقة، ولا شك في أن من بينهم أفراداً من الحرس الشخصي للرئيس كانت الرحلة رائعة. بيداء، أجمات صمغية نباتات مدارية جبال قاحلة وعرة بألوان المغرة الحمراء. أكواخ. قافلة جمال تسير وسط زوابع رملية ملتفة. وكلما اقتربنا من غولستان أصبحت الأرض أكثر وعورة. أوضح لي الأستاذ شابير، ولا يُعرف عُمرها. يؤكد بعضهم أنها بنيت قبل أكثر من قرنين فرادة هذه القلعة أنها بنيت بآلاف مؤلفة من قطع القرميد الصغيرة التي تم نقلها بواسطة سلسلة بشرية انطلاقاً من مدينة أوش شريف على مسافة عشرات الكيلومترات. كان الرجال يمررون قطع القرميد باليد من أحدهم إلى الآخر على مدى أيام وأيام. فكرت: «لقد وهب الله الإنسان قدرات لامتناهية. يمكنه في الوقت ذاته أن يسير على القمر بواسطة التكنولوجيا الأكثر تطوراً، وأن يُشيد مباني رائعة بأيد عارية». عندما وصلنا إلى رحيم يارخان كانت الشمس تغيب وراء الكثبان. أو تطريز بياضات منزلية. أمام مراوح التهوية للتخفيف من حرارة الجو هنا وهناك أطفال يلهون على عتبات المنازل بلعب خشبية. كنت أقرب إلى الحقيقة مما تصورت. عندما نقلت انطباعي إلى الدكتور شابير قال: وأصبحت المدينة أكثر فقراً وحرماناً من أي وقت مضى. - أنتم بحاجة إلى مطار قبل كل شيء. مستشفى وحيد، والعديد من المنازل لا تصلها مياه الشرب. نصبنا الخيام على أطراف المدينة وأشرطنا نار المخيم. غير أنه تحمل البلاء بسكينة. - لا بأس، سوف أعود. لكن في هذه الأثناء لا شيء يمنعنا من المحاولة بعد أن قطعنا كل هذه المسافة. والإسراف في قتل هذه الطيور يهدد بانقراضها. مثل محميات الظباء والبقر الوحشي. - ما أحسن ما قلت هذا التهديد الذي أشرت إليه يطاول حالياً ظباءنا الشينكارا. ومن واجبي أن أساعدها ما استطعت. سوف أمد يد العون للبلدان السائرة في طريق النمو والتي تبذل قصارى جهدها لإبعاد شبح الحرب». فورث منصبه، كنت أعرف الرجل. عارفاً بتاريخ الحضارات. تماماً كعجائب الدنيا السبع، والقارات السبع، السادس وادي الحيرة. لكن هل ثمة مصادفة؟ على أي حال، أكتوبر 1973 منذ أسبوع وعيناي لا تحيدان عن شاشة التلفزيون. كان هذا اليوم العاشر من شهر تشري في التقويم العبري، وهو مناسبة تحظى باحترام شديد لدى اليهود بمن فيهم غالبية العلمانيين في هذا اليوم تشل الحياة في إسرائيل، ويتوقف النقل العام، تلك هي اللحظة المثالية التي اختارها الرئيس أنور السادات لإطلاق عملية بدر. طوال الأسبوع السابق تكثفت التدريبات العسكرية المصرية على الضفة الغربية لقناة السويس. في أقل من نصف ساعة انصب سيل هائل من القذائف على خط الدفاع الإسرائيلي المعروف بخط بارليف. في الوقت نفسه اجتازت أول فرقة مدرعات مصرية القناة. بعد ساعة وربع الساعة من بدء الهجوم تم تدمير خط بارليف. كانت هذه المرة الأولى التي يذوق فيها تساهال طعم الهزيمة. في الحادي عشر من أكتوبر انقلبت المعركة لمصلحة إسرائيل. نفسه وطوق الجيش المصري الثالث. منذ اليوم التالي لبدء الحرب بعثت برسالة دعم وتضامن وبعد يومين ذهبت إلى لندن يومها صوت المندوب البريطاني في مجلس الأمن الدولي على قرار يشجب السياسة الإسرائيلية ويطالب بالانسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967. وحليف الولايات المتحدة، غير أنني أبدي حياله أسمى مشاعر التقدير. يعتقد أن فرنسا ماتت كان له من النباهة أن حمل جثمانها بين ذراعيه لإقناع العالم بأنها لا تزال حية. بين العرب وإسرائيل عام 1967 اتخذ الجنرال ديغول موقفاً يستحق التحية. شعباً نخبوياً، ميالاً للسيطرة سيحولون أمانيهم المؤثرة التي ظلت تراودهم منذ تسعة عشر قرناً، في أن يلتقوا العام المقبل في إسرائيل، إلى طموح جامح ونزعة للغزو حالما يجتمعون في موقع أثناء إقامتي في العاصمة البريطانية بذلت قصارى جهدي محاولاً التوصل إلى حل للأزمة يحفظ مصالح الأشقاء العرب، ولا سيما منهم الشعب الفلسطيني في الوقت نفسه كانت الحكومتان المصرية والسورية ترسلان نداءات الاستغاثة.