بحيث أنّنا لا نفهم “العالم” الذي نعيش فيه إلاّ بقدر ما نبني “مفهومًا” مناسبًا عنه. لكنّ ذلك يعني أنّ ثمّة دومًا مسافة فاصلة بين “المفهوم” (وكل تفكير هو عمل مفهومي أو لا يكون) وبين ما هو “غير مفهومي” أو يوجد “خارج المفهوم” (أي موضوع التفكير). والخطأ القاتل الذي يهدّد كلّ تفكير هو أن يخدعه “ادّعاء الهوية[2] الذي يسكن” داخله ويميل إلى معاملة نفسه بوصفه “كلّية”(Totalität) لا تحتاج إلى العالم الذي تفكّر فيه. ولذلك فإنّ الفلسفة لا تتخلّص من “عدم تناسبها مع الواقع” إلاّ عندما تتخلّى عن وهم القدرة على “استقطاب (monopolisiert) الكلّ الذي تتّخذه موضوعًا، وأن تعترف إلى أيّ حدّ هي في تركيبتها الداخلية، 3] إنّ العالم يوجد خارج مقولاتنا وعلينا أن ننطلق من أنّه شيء “غير مفهومي” بالنسبة إلينا. لكنّ ذلك يعني بنفس القدر أنّ العالم لا “هوية” له أو ليس له هوية جاهزة عليه أن يرتديها من أجلنا. ومن ثمّ أنّ كل علاقة معه هي “جدل” لا مفرّ منه لأنّه نابع من “نقص” أو “ذنب” كامن في طبيعة التفكير نفسه. يقول أدورنو:” إنّ الجدل هو الوعي المتّسق مع نفسه باللاّهوية (Nichtidentität). لا يمكن أن “ننقد” العالم إلاّ بقدر ما ننجح في الاحتفاظ بمسافة “غير مفهومية” معه هي بمثابة ذنب نائم في كل تفكير. وذلك يعني أنّ كل تفكير في عالم بلا هوية جاهزة أو بدون وجهة نظر مسبقة حوله هو في سرّه لا يعدو أن يكون نوعا صعبًا من “سياسة اللاّهوية”[5]. نحن لا نفكّر في العالم الذي نعاصره إلاّ بقدر “عدم التماهي” مع ما يقوله عن نفسه، وبهذا المعنى فقط يكون هذا التفكير موقفا “نقديًّا”. وهو وضع روحي لا يمكننا أن نقاومه (كل تفكير هو مقاومة حسب أدورنو) إلاّ بتبنّي أطروحة والتر بنيامين، لكنّ خطر “روح العالم” هذا هو كونه مجرّد “مفهوم” أنتجه نوع من الإنسان يزعم أنّه يمتلك “أنا” متعالية مستقلة بذاتها ترفع “اليقين” أو “التفكّر” الذي تؤسس نفسها عليه إلى براديغم للحقيقة حول العالم بوصفه مجرّد “موضوع” لمقولاتها، كلّ “لا-أنا” وكلّ “آخر” وكل ما يذكّر بالطبيعة شيئًا “دونيًّا”[12]. وبالتالي فإنّ هذه “المثالية” المهووسة ببناء “نسق مطلق” يعبّر عن مبدأ الأنا الحديث الذي لم يعد يرى غير “نفسه” المعلمنة المنتصبة كبديل عن الإله التقليدي، 13] كان التنوير نوعًا من “الكلَب المعقلن تجاه ما هو غير هووي” الذي يحرّكه ادّعاء إنسانوي شعاره هو “ألا يترك شيئًا دون أن يضعه موضع سؤال”[14]. كانت المثالية تريد أن تبني “كلاّ” روحيّا مستقلاًّ بنفسه ومتألّهًا أو “ملغّزًا” (mystifiziert) تسمّيه “روح العالم”، لكنّ “روح العالم مفهوم تفكّري وهو لا يهتمّ بالأحياء الذين يحتاج إليهم ذلك الكلّ”[15]. وبمجرّد أن يدخل في عمى مثالي تجاه الأحياء فإنّ “مجرى العالم” سوف يبقى بالنسبة إلينا ميدانا حيث يتحوّل “اللامعقول” إلى ظاهرة “صنميّة” (fetischistisch): ذلك أنّ “التاريخ لم يكن له إلى اليوم أيّ ذات كاملة قد يمكننا بناؤها بأيّ طريقة كانت”[16]. بحيث أنّ “جدل التنوير” الحقيقي ليس التحديث العلمي بل سياسة العالم على نحو يحكم على “الروح المنزوع السحر والمحتفظ به بأن يتطابق مع الأسطورة أو أن يتقهقر إلى رجفة أمام شيء هو في نفس الوقت فائق القدرة ولكن بلا صفات”[17]. وجد الإنسان الحديث نفسه مدعوًّا مع التنوير إلى بناء “عالم مشيّء”( verdinglichte Welt ) لا يمكن إنقاذه إلاّ بوصفه “موضوعًا” لا معنى له إلاّ المقولة “الذاتية” التي يستند إليها. هو أنّ “التشيّؤ” و”الذاتية” قد صارا ظاهرتين لا تنفصلان وتستدعي إحداهما الأخرى: بقدر ما يتذوّت الشيء يتحوّل إلى موضوع ميّت. فإنّه ينبغي على المدافع عنه أن يحاول إنقاذه بواسطة الذاتية”. 19] وهي خطة تمتد حسب أدورنو من الإصلاح الديني إلى كانط ومنه إلى “تقوى الكينونة” لدى هيدغر. وهذا الأخير يثير مشكلًا كبيرًا في تأويل أدورنو: فهو من جهة قد “بلغ إلى عتبة الإبصار الجدلي باللاّهوية في صلب الهوية. ولهذا فإنّ الأمر الأخلاقي الجديد لم يعد له مضمون تقويّ: بل هو قد صار متعلقًا بعلاقة الثقافة بالموت. بين العالم والله[24] . ”[25] هو موقف من شأنه أن يضع موضع سؤال كلّ بحث تقليدي عن “المعنى”. 26] لقد صار للموت توقيع لم يعرفه الناس من قبل حيث تحوّل معنى التاريخ إلى تاريخ للموتى. لأنّه لم يعد موتًا سياسيًّا نتيجة استعمال سيّء لمنطق الدولة الكليانية. إنّه موت ما بعد حديث يتمّ بشكل ديمقراطي تمامًا وهو أعدل الموتات توزيعًا بين الناس لأنّه يتعلّق بمستقبل طبيعتنا البشرية بما هي مجرد “استعمال للأجسام” الحية في بيئة لم تعد جاهزة للدفاع عنها. وعلينا أن نسأل: إلى أيّ مدى يمكن للحياة أن تحافظ على معنى العالم الذي تسكنه إذا كان الموت قد غيّر من حقيقته؟ لقد صار الأفراد يواجهون موتهم من دون أيّ حماية ميتافيزيقية. ذلك أنّ العلمنة قد حوّلت كل تساؤل ميتافيزيقي إلى تفكير شاحب وبلا جدوى. يقول أدورنو:” إنّ المقولات الميتافيزيقية هي تواصِل البقاء حيّة في ما يسمّى، السؤال عن معنى الحياة”[29]. وبعبارة أخرى إنّ اليأس قد أصبح بمثابة سياسة للمعنى. ولكن من حيث أنّ المعنى هو أمر “تتمّ صناعته فهو قد صار قصّة (Fiktion)”[31] حيث ينبغي على “الذات” أن تساهم في تشكّلها وذلك أن تمتلك “ملكة النظر فيما أبعد من نفسها”[32]. إنّ المفارقة هي أن ندعو الناس إلى منح حياتهم معنى هو يوجد خارجها. – لكنّ اليأس ليس عدميّا بالضرورة. بل على العكس من ذلك ينبّه أدورنو إلى أنّ العدميّ ربما هو لم يكن عدميًّا بما فيه الكفاية؛ إذْ تدّعي العدمية أنّ انعدام القيم سوف يجعلنا في وضعية حيث لا نستطيع أن “نتعلق بأيّ شيء”؛ 34] كل النقاش حول عدمية القيم ينهار من نفسه عندما نبدأ، من دلالته. إذْ حين تكون الكينونة نفسها مذنبة أو معتقلة فإنّ “الأمل الوحيد الذي سيبزغ في الأفق هو أنّه لم يعد هناك أيّ شيء”[37]. ومن ثمّ “إنّ شرف الفكر هو في الدفاع عمّا يُجدَّف عليه باعتباره عدمية”[38]. ومنذ الآن فإنّ تصنيف الفلسفات لن يتمّ بحسب موقفها من عدمية القيم أو سؤال المعنى، بل بحسب قدرتها على “التفكير في اليأس”. قال أدورنو معلّقًا على طريقة كانط في بناء “خلود النفس”: “إنّ سر فلسفته هو في عدم إمكانية التفكير في اليأس”[39]. كانت فكرة “خلود النفس” هي الحل الأخلاقي الوحيد لاحتمال معنى الموت. كان كانط يتمتع بترف ميتافيزيقي يسمح له بتحاشي مفهوم اليأس بواسطة المصادرة على الخلود. ولكن ماذا لو افترضنا العكس: أنّ الحياة نفسها قبل الموت لم تعد ممكنة. أنّ اليأس وليس تجربة الموت هو الذي يمكنه أن يمنحنا شكلًا جديدًا من “الأمل”. نعني، من يعامل التفكير بوصفه سياسة إنقاذ لشكل من الحياة الذي لم يعد ممكنًا. لذلك هو قد جهد نفسه من أجل “تخليص العلم من أيّ شبهة”[43] والانخراط في التركيز البورجوازي على نتائجه الباهرة. ومن ثمّ يفرض عليه أن يحوّل “سلطة” الحقيقة إلى قرار “إرهابي” (terroristisch) بمنع “التفكير في المطلق”، وبالتالي ينتهي إلى “منع حرية التفكير” نفسها[45]. لقد صارت الحقيقة نفسها ورشة يعمل فيها “العقل على تشويه نفسه” كنوع من “طقوس” الدخول إلى نطاق “العلميّة”[46]بطريقة أخلاقية. وحين صارت “دائرة المعقول” فارغة صار يمكن المصادرة على وجود الله أو خلود النفس داخلها، وإذا كان الإنقاذ هو الدافع الباطني الأشدّ في كلّ روح، فإنّه لا يوجد أيّ أمل إلاّ في إهدار بلا تحفّظ: للمنقذ كما للروح الذي يأمل. إنّ إيماءة الأمل هي تلك التي لا تتعلق بأيّ شيء تريد الذات أن تتعلق به،