المبحث الأول: مفهوم الشروع في الجريمة بعد التفكير والتخطيط للجريمة، قد يبدأ الجاني في تنفيذها فعليًا، ويُقال عندئذ إنه شرع فيها، لكن فعله هذا لا يكتمل ليصل إلى مرحلة التنفيذ الكامل للجريمة. في مثل هذه الحالات، يعتبر المشرع فعل الجاني ويُجرمه في الجنايات وبعض الجنح. يُعرّف الشروع بوجه عام بأنه من جرائم الخطر لا الضرر، لأن النتيجة المادية المقصودة لم تتحقق، بل المعنى القانوني للفعل. بعبارة أخرى، هو ارتكاب سلوك محظور، سواء كليًا أو جزئيًا، دون اكتمال الركن المادي للجريمة. لتعريف الشروع في القانون الجزائري، نعود إلى نص المادة 30 التي تنص على أن: "كل محاولات ارتكاب جناية تبتدئ بالشروع في التنفيذ أو بأفعال لا لبس فيها تؤدي مباشرة إلى ارتكابها تُعد كالجناية نفسها، إذا لم تُوقف أو لم يَخِبْ أثرها إلا نتيجة لظروف مستقلة عن إرادة مرتكبها، حتى ولو كان عدم بلوغ الهدف المقصود بسبب ظرف مادي يجهله مرتكبها." المطلب الأول: مراحل ارتكاب الجريمة الفرع الأول: مرحلة التفكير تُقصد بهذه المرحلة النشاط الذهني والنفسي الداخلي الذي يدور في ذهن الجاني، حيث تتكون لديه فكرة ارتكاب الجريمة ويتردد بين دوافع الإقدام عليها ودوافع الإحجام عن ارتكابها، ثم يعقد العزم على تنفيذها. لا يهتم المشرع بما يدور في خلد الفرد ولا يعاقب عليه، إلا إذا ظهر هذا التفكير في شكل نشاط خارجي، كالاتفاق مع آخرين لارتكاب الجرائم. في هذه الحالة، يرى المشرع أن هذا يُعد فعلاً خطيرًا يهدد المصالح التي يحميها القانون، فيجرمه. الفرع الثاني: مرحلة التحضير بعد اتخاذ القرار بارتكاب جريمة معينة، يبدأ الشخص في اتخاذ خطوات تحضيرية لتنفيذها. تتضمن هذه الأنشطة التحضيرية شراء الأسلحة والتدرب على استخدامها، ومراقبة المكان والزمان المحددين لتنفيذ الجريمة. هذه الأنشطة كلها تعتبر تحضيرية ولا تُرقى بذاتها إلى مستوى الشروع في الجريمة. وعلى الرغم من أنها عادة لا تُعاقب كمرحلة من مراحل الجريمة، فإن المشرع قد يعتبر بعض هذه الأنشطة التحضيرية خطيرة بما يكفي لتجريمها كجريمة مستقلة. على سبيل المثال، قد يكون تقليد المفاتيح تحضيرًا لجريمة سرقة، وقد جرم المشرع هذا الفعل رغم ارتباطه بالتحضير للجريمة، لما يمثله من تهديد للمصالح المحمية قانونًا. الفرع الثالث: مرحلة الشروع في الجريمة عندما يتجاوز الجاني مرحلة التحضير ويبدأ في تنفيذ الجريمة، يدخل في مرحلة الشروع. الأفعال التي يقوم بها الجاني في هذه المرحلة تُشكل خطرًا معينًا على المجتمع. لذلك، جرم المشرع هذه الأفعال إذا توقفت الجريمة عند هذه المرحلة. يمكن أن يتوقف تنفيذ الجريمة بسبب تدخل عامل خارجي يمنع الجاني من تحقيق هدفه، أو بسبب فشل الجاني في إتمام الجريمة رغم قيامه بجميع الإجراءات اللازمة. في كلتا الحالتين، يُعتبر الجاني قد بدأ في تنفيذ الجريمة، ويعاقب عليها بموجب القانون. تُعرف الحالة الأولى بالجريمة الموقوفة، والثانية بالجريمة الخائبة. في بعض الأنظمة القانونية، كالنظام الجزائري، يُعتبر الشروع المرحلة التي تلي المراحل الأولية كالتفكير والتحضير وتسبق التنفيذ الكامل للجريمة. وفي هذه الحالات، يُجرم الجاني والفعل بموجب المادتين 30 و31 من قانون العقوبات. المطلب الثاني: أنواع الشروع في الجريمة استنادًا إلى المادة 30 من قانون العقوبات الجزائري، نميز ثلاثة أنواع رئيسية للشروع: الموقوف، الخائب، والمستحيل. الفرع الأول: الجريمة الموقوفة في هذه الحالة، يبدأ الجاني في تنفيذ الجريمة، لكن لظروف خارجة عن إرادته، يتوقف عن إتمامها. هذا يعني أن الجاني قد بدأ العمل الإجرامي ولكنه أوقف قبل أن يحقق غايته. كمثال، إذا دخل لص متجرًا للسرقة، وقُبض عليه قبل أن يتمكن من الوصول إلى المبلغ المستهدف. هنا، بدأ الجاني عملية السرقة ولكنها توقفت. الفرع الثاني: الجريمة الخائبة هنا، يقوم الجاني بتنفيذ جميع الأعمال الفعلية المطلوبة لارتكاب الجريمة، ولكن النتيجة المرجوة لا تتحقق بسبب عوامل لا دخل لإرادته فيها. على سبيل المثال، إذا أطلق الجاني النار وأصاب هدفًا غير مقصود بالخطأ، أو أصاب المجني عليه بجروح غير مميتة وتم إنقاذه بالعلاج. في هذه الحالة، أتم الجاني كافة الأعمال الجرمية المطلوبة، لكن النتيجة المرجوة لم تتحقق بسبب ظروف خارجة عن إرادته. قد يكون الشروع الخائب مرتبطًا أحيانًا بالجريمة الموقوفة. مثلاً، إذا وجه الجاني مسدسه نحو الهدف وأطلق النار، لكن الضحية لم تمت، وتمكن شخص آخر من نزع المسدس من يده. في هذا السيناريو، فشل الجاني في تحقيق هدفه وتوقف فعله نتيجة لتدخل خارجي. الفرع الثالث: الجريمة المستحيلة في بعض الحالات، قد يتخذ الجاني كل الإجراءات الضرورية لتنفيذ جريمة معينة، إلا أنه يستحيل عليه تحقيقها فعلاً. يتميز هذا النوع من الشروع بأن الجريمة غير قابلة للتحقيق أبدًا لأسباب خارجة عن إرادة الجاني. تُعرف هذه بالحالة بالجريمة المستحيلة. على سبيل المثال، محاولة شخص قتل آخر وهو ميت أصلاً. هنا، تُعد الجريمة مستحيلة لأن المستهدف قد فارق الحياة بالفعل، وبالتالي لا يمكن تحقيق جريمة القتل. مثال آخر هو محاولة إجهاض سيدة غير حامل، حيث يكون التدخل الجسدي غير مجدٍ لعدم وجود جنين للإجهاض. رأي المذهب الموضوعي في الجريمة المستحيلة: يرى أصحاب المذهب الموضوعي أن الجريمة المستحيلة لا يمكن أن تقع أبدًا. وتبعاً لذلك، لا يمكن أن يكون هناك شروع في هذا النوع من الجرائم. ونظرًا لعدم وجود شروع أو جريمة أو نتيجة إجرامية، لا يمكن محاسبة الشخص على مثل هذه الأفعال. رأي المذهب الشخصي في الجريمة المستحيلة: يعتقد أصحاب المذهب الشخصي أن الشخص الذي يُظهر نية إجرامية ويبدأ في التحضير للجريمة، قد أبان عن نواياه الإجرامية بوضوح، حتى لو كان تنفيذ الجريمة مستحيلاً لأسباب خارجة عن إرادته. وهذا لا يعني عدم إمكانية معاقبته. بغض النظر عما إذا كانت النتيجة الإجرامية قد تحققت أم استحال تحقيقها، يمكن معاقبة الشخص لأنه أظهر نية جدية لارتكاب جريمة، ولا يزال يُشكل تهديدًا على المجتمع. في هذا السياق، يجب معاقبة الجاني بصرف النظر عن تحقيق النتيجة الجرمية أو استحالتها. المبحث الثاني: أركان الشروع في الجريمة والعقوبات المقررة لها المطلب الأول: أركان الشروع في الجريمة يشترط في الشروع، كأي سلوك إجرامي يُعاقب عليه القانون، توافر ركنين أساسيين: الأول: الركن المادي: وهو النشاط الخارجي أو السلوك الإجرامي الملموس الذي يختلف باختلاف نوع الجريمة، والذي يكشف عن إرادة الجاني في تنفيذ جريمته. والثاني: الركن المعنوي "قصد ارتكاب جريمة عمدية": ويعني اتجاه إرادة الجاني نحو ارتكاب الجريمة مع إدراكه لعناصرها القانونية، أي القصد الجنائي. هذا يؤكد أن الشروع يفترض أن تكون الجريمة عمدية، فلا شروع في الجرائم غير العمدية. الفرع أول: الركن المادي في الشروع لقد عرفت المادة 30 من قانون العقوبات الشروع، ويتطلب هذا التعريف توافر عنصرين لقيام الركن المادي: العنصر الأول: وهو البدء في التنفيذ: إن وضع حد فاصل بين الأعمال التحضيرية التي لا يعاقب عليها القانون ومرحلة التنفيذ يتطلب تحديد معيار ثابت يفصل بين المرحلتين. لتحديد هذا المعيار، لا بد من الرجوع إلى المعايير الفقهية السائدة في هذا الشأن. وقد صنف الفقه الآراء المختلفة في هذه المعايير إلى مذهبين: الأول هو المذهب الموضوعي، الذي يُعنى بالفعل المادي المرتكب وخطواته الإجرامية. والثاني هو المذهب الشخصي، الذي يركز على إرادة الجاني واتجاهها نحو السلوك الإجرامي، وهو المذهب الذي استقر عليه العمل في القضاء الفرنسي، والذي استمد منه المشرع الجزائري. ويهتم هذا المذهب بخطورة الشخصية الإجرامية للجاني أكثر من اهتمامه بالفعل نفسه. العنصر الثاني: وقف التنفيذ أو الخيبة من شروط الركن المادي للشروع هو أن يتوقف التنفيذ أو يخيب أثره لأسباب لا دخل لإرادة الفاعل فيها. هذا يعني أنه يجب ألا يعدل الجاني باختياره عن تحقيق الجريمة، ووجوب التوقف أو الخيبة لكي لا تتحول الجريمة إلى جريمة تامة. الفرع الثاني: الركن المعنوي في الشروع في الجريمة في هذا الفرع، سنتناول الركن المعنوي الأساسي في الشروع في الجريمة. يتطلب الشروع وجود هذا الركن، المتمثل في القصد الجنائي، والذي يعني أن إرادة الجاني يجب أن تتجه نحو ارتكاب الجريمة بعد معرفته بكافة عناصرها القانونية. يُتوقع أن يكون القصد الجنائي في الشروع مماثلاً للقصد الجنائي المطلوب للجريمة التامة. على سبيل المثال، في جريمة القتل، يجب أن تكون نية الجاني موجهة نحو إزهاق الروح، وفي جريمة الاختلاس، يجب أن يكون القصد ذاته بالنسبة للشروع كما هو الحال في الجريمة المكتملة. بالتالي، يمكن اعتبار الجريمة شروعًا إذا توافر الركن المادي، بغض النظر عما إذا كانت الجريمة قد تحققت بالكامل أم لا. على سبيل المثال، إذا خطط شخص لسرقة بنك وبدأ في اقتحامه، لكنه تراجع عندما تدخلت الشرطة قبل إتمام السرقة، فيمكن اعتبار هذا الفعل شروعًا في جريمة السطو. الفرع الثالث: عدم تحقيق النتيجة لأسباب خارجة عن إرادة الجاني يشترط في الشروع ألا تتحقق النتيجة الإجرامية نتيجة لأسباب خارجة عن إرادة الجاني. إذا قام الجاني باختياره بالتوقف عن تحقيق النتيجة الإجرامية، فإن الشروع يكون قد انتفى. قد تتعلق النتيجة الإجرامية بعوامل مادية، مثل القبض على الجاني قبل إطلاقه النار، أو ضبطه أثناء محاولة سرقة المال. ويمكن أن تتعلق أيضًا بعوامل معنوية، كخوف الجاني من القبض عليه عند رؤيته لرجل شرطة يقترب منه. يمكن أن يحدث عدول اختياري، حيث يختار الجاني التوقف عن الجريمة بناءً على دوافع نفسية داخلية. ومن الضروري أن يقع هذا العدول الاختياري قبل تحقيق النتيجة الإجرامية. على سبيل المثال، إذا كان الجاني يستعد لإطلاق النار على شخص معين وتراجع في اللحظة الأخيرة ولم يقم بذلك، فيُمكن اعتبار ذلك عدولاً اختياريًا وينتفي الشروع في الجريمة. المطلب الثاني: العقوبات المقررة للشروع في الجريمة عند دراسة عقاب الشروع، يتعين البحث في موضوعين رئيسيين: الأول: تحديد الجرائم التي يعاقب القانون على الشروع فيها. ثانيًا: بيان نوع ومقدار العقاب على الشروع. الفرع الأول: الجرائم التي يعاقب القانون على الشروع فيها تنقسم الجرائم إلى جنايات وجنح ومخالفات. وكقاعدة عامة، يُعاقب على الشروع في الجنايات، وذلك طبقًا لما ورد في نص المادة 30. أما الجنح، فلا يُعاقب على الشروع فيها إلا بنص خاص وصريح. وقد عبّر المشرع عن هذه القاعدة في نص المادة 31 بقوله: "المحاولة في الجنح لا يعاقب عليها إلا بنص صريح في القانون". أما المخالفات، فلا عقاب على الشروع فيها إطلاقًا، طبقًا لنص الفقرة الثانية من المادة 31: "المحاولة في المخالفة لا يعاقب عليها إطلاقًا". يُفسر هذه القاعدة بأن جسامة الجريمة تستدعي أن يكون الشروع فيها جسيمًا بدوره ويستحق العقاب. فكلما قلت جسامة الجريمة، قلت خطورة الشروع. وتطبيقًا لذلك، فإن الجنايات تُعد جرائم جسيمة، ولذلك يُعاقب على الشروع فيها. بينما الجنح هي أقل درجة، لذا لا يُعاقب على الشروع فيها إلا بناءً على نص قانوني خاص. الفرع الثاني: مقدار العقاب على الشروع في الجريمة عند التحدث عن مقدار العقوبة المفروضة على الشروع في الجريمة، يُلاحظ وجود اختلافات كبيرة بين التشريعات الجنائية في دول العالم. فالغالبية العظمى من هذه التشريعات تميل إلى تحديد عقوبة للشروع تكون أقل شدة من عقوبة الجريمة التامة المكتملة. على سبيل المثال، يتبنى القانون البلجيكي والقانون المجري والقانون الدنماركي هذا المبدأ. وبعض التشريعات لا تُفرق بين العقوبة المفروضة على الشروع في الجريمة الموقوفة والجريمة الخائبة. وهناك تشريعات أخرى تُميز بين هذين النوعين من الجرائم فيما يتعلق بمقدار العقوبة. في هذه الحالات، تُخفف العقوبة في الجريمة الموقوفة، بينما تُفرض عقوبة أشد في الجريمة الخائبة. بطبيعة الحال، تظل الجريمة التامة تُعاقب بعقوبة أشد من الجريمة الخائبة. يمكن تفسير هذا التمييز في العقوبة بين الشروع والجريمة التامة بأن الشروع لا يتضمن الاعتداء الفعلي الكامل على الحقوق المحمية قانونًا، بل يقتصر على مجرد التهديد بالخطر. والخطر عادة ما يكون أقل ضررًا بالمجتمع مقارنة بالاعتداء الفعلي. ومع ذلك، هناك بعض التشريعات القليلة التي ألغت هذا التمييز بين الجريمة التامة والشروع فيها. من بين هذه التشريعات، القانون الفرنسي والقانون الروسي والقانون البولندي والقانون الجزائري. ويجدر بالذكر أن التشريع الجزائري قد ألغى التمييز بين الجريمة الموقوفة والجريمة الخائبة، وحسم جميع الفروقات بينها وبين الجريمة المستحيلة من حيث الوسيلة، مما أدى إلى فرض عقوبة واحدة على جميع أنواع الشروع. خاتمة من خلال ما سبق، يمكن استخلاص النتائج الرئيسية التالية: الشروع يُعد مرحلة من مراحل ارتكاب الجريمة، يبدأ فيها الجاني بتنفيذ نشاطه الإجرامي، لكنه لا يُحقق النتيجة الإجرامية المنشودة. يعتمد الشروع على توافر ركنين أساسيين: الركن المادي الذي يشمل الأنشطة والتصرفات الدالة على نية الشخص في تنفيذ الجريمة، والركن المعنوي الذي يتضمن نية الشخص وتوجيه إرادته نحو ارتكاب الجريمة. يُعاقب المشرع على الشروع في الجنايات بشكل عام. أما في الجنح، فليس كل أنواع الشروع تستوجب العقاب، بل يتوقف ذلك على وجود نص خاص ونوع الجريمة. تختلف العقوبة المقررة للشروع عن العقوبة المحددة للجريمة التامة. حيث تتباين العقوبات المفروضة على الشروع من تشريع لآخر، ويفضل العديد من القوانين تخفيف العقوبة للشروع مقارنة بالجريمة التامة. ومع ذلك، هناك تشريعات معينة تفرض عقوبات مماثلة على الشروع والجريمة التامة. أما القانون الجزائري، فقد ألغى التمييز بين الجريمة الموقوفة والجريمة الخائبة، وجعل العقوبة موحدة لجميع صور الشروع في الجريمة.