بينما عيناه الضيقتان تجحظان وقد استقر في أعماقهما رعب مريع. فاستغلت عجوز هذا الموقف الاندحاري ونهرت حليمة وأمرتها بمغادرة المجلس، بينما ازداد شحوب وجه الصغير المنكمش في حجرها وتسربت سحابة من الخوف إلى كيان المرأة وحارت بين أن تترك مكانها في الحلقة وتغادر الدار أو تنتظر طبق اللحم لتظفر منه بقطعة أو قطعتين ترد بهما بعض جميل أم الولد، وإلا كانت هذه الاستعارة الأخيرة وتوتر مزاج حليمة توترا حقيقيا، وكادت أن تستسلم للبكاء وهي المرأة العنيدة المتوثبة دوما، وأن تُرَوّح عن النفس في مثل هذه المواقف العصيبة حتى لا تُطوّح بها حوادث الحياة وتنهشها الكلاب؛ لذلك أبعدت الولد عن الدائرة، ولفته في منديل لفا محكما، وتتجه بها نحو الدوائر المنتظرة. حتى إذا ما اطمأنت إلى انطفاء بصيرة الأكلين والأكلات رمت بالقطعة داخل تلافيف الثياب المربوطة إلى صدرها. وهكذا كان حالها مع القطعتين السمينتين الثانية والثالثة؛ غير أن معشر الأكلين لم يكونوا هُبلا حتى تنطلي عليهم لعبة حليمة. وأوقف أكل يجلس قبالتها عملية المضغ، ونمَّرَ فيها بنظرة خارقة حسبت لها المرأة ألف حساب، ومضت به خارج الدار وهي تردد بغبطة في سريرة نفسها:الولد مضمون في المرة القادمة.