تعني الفيدرالية وجود مستويين من مستويات الحكم في الدولة، هما: الحكم المركزي على المستوى الاتحادي للدولة، والحكم المحلي على مستوى الوحدات السياسية المكونة للدولة الفيدرالية. ويقوم النظام الفيدرالي على أساس الفصل بين ما هو من صلاحيات ومسؤوليات الحكومة الفيدرالية المركزية، وبين ما هو من صلاحيات الحكومات المحلية على مستوى الوحدات السياسية المكونة للاتحاد، وما هو من الصلاحيات المشتركة بين الحكومتين الاتحادية والمحلية. وهذا الشكل الفيدرالي يختلف بالطبع عن شكل الدولة المركزية أو الموحدة التي توجد فيها حكومة مركزية واحدة بيدها جميع الصلاحيات والسلطات، كالكويت أو البحرين أو مصر أو سورية أو فرنسا أو اليابان، التي تعتبر من الدول المركزية الموحدة التي توجد فيها حكومة مركزية واحدة تتمتع بجميع السلطات والصلاحيات وعالم اليوم مليء بالدول التي تتبع النهج المركزي الموحد، حيث إن غالبية الدول الموجودة في النظام الدولي الحالي دول موحدة. كما أن النظام الفيدرالي يختلف عن النظام الكونفيدرالي الذي يقوم على أساس اتفاق بين مجموعة من الوحدات أو الدول لتنسيق بعض من سياساتها الداخلية أو الخارجية لتحقق درجة من التكامل فيما بينها، ولم تتطور بعد إلى شكل الدولة الفيدرالية أو الدولة الموحدة، حيث إن السلطة المركزية في النظام الفيدرالي تتمتع بصلاحيات وسلطات سيادية كبيرة تفوق ما تتمتع به السلطة المركزية في الاتحاد الكونفيدرالي. فدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، تتمتع بسلطات وصلاحيات سيادية تفوق ما تتمتع به الأمانة العامة للمجلس من سلطات وصلاحيات، ولا تستطيع الأمانة العامة للمجلس فرض نفسها على قضايا دول المجلس السيادية، حيث لا تتمتع بوجود مثل تلك الصلاحيات. عرف جيمس ويلسون وجون ديلوليو الفيدرالية بأنها نظام حكم تكون السيادة فيه مشتركة بين مستويين أو أكثر من المستويات الحكومية؛ بحيث تتمتع الحكومة الاتحادية المركزية بسلطة عليا في بعض الأمور، وتتمتع الحكومة المحلية في الوحدات المكونة للاتحاد بسلطة عليا في أمور أخرى. وينطوي الجميع تحت رايتها، ويخضع لحكومتها في ظل سياسة موحدة على الصعيدين الداخلي والخارجي، وفي نفس الوقت تحتفظ العناصر المكونة للدولة الجديدة بخصائصها المعبرة عن وجودها الذاتي؛ منعاً من ذوبانها الكامل في محيط الجماعة الكبيرة . وتختلف مسميات الوحدات السياسية المكونة للدولة الفيدرالية من بلد فيدرالي إلى آخر، وفي ألمانيا تسمى لاندر. ومهما كانت التسمية، فإن الحكومات المحلية هي وحدات لها سلطاتها وصلاحياتها المحددة في الدستور الفيدرالي الذي تقوم على أساسه العلاقة بين المستويين الاتحادي والمحلي في الدولة الفيدرالية. يعتبر الفيلسوف الألماني جوهانيس الثوسيوس (1557-1630) أبا الفيدرالية 1603) وضع الثوسيوس( Politica Methodice Digesta المعاصرة؛ ففي كتابه أسس الفيدرالية القائمة على وجود ميثاق يضمن احترام الاختلافات بين التنظيمات المختلفة داخل الدولة، كالأسرة والمجتمع المحلي والمقاطعة والولاية، وأن على الدولة ألا تفرض سيطرتها المطلقة عليهم. وكان يدعو إلى منح الاستقلالية لمدينة إمدن الألمانية؛ ثم جاء لو دولف هو جو (1630-1704) الذي تحدث في كتابه De Statu Regionum Germanie (1661) عن الفرق بين الكونفيدرالية والفيدرالية واعتبر أن الفيدرالية نموذج ذو حكومتين، ولديها توزيع للسلطات بين سلطة حكومة المركز وسلطة حكومات المناطق؛ حيث تدير الأولى شؤون الكومنولث، فيما تدير الثانية شؤون المناطق الإقليمية. وتطرق الفيلسوف الفرنسي بارون دي مونتسكيو (1689-1755) في كتابه The Spirit of Laws (1748) إلى أن الجمهورية التي بها نظام فصل السلطات هي أفضل شكل للدولة؛ من أجل حماية الحرية السياسية لرعاياها من الطغيان وسوء استغلال القوة، ومن أجل حماية الوحدات الأصغر في الدولة من الوحدات الأكبر؛ وركز الفيلسوف الأسكتلندي ديفيد هيوم (1711-1776) في كتابه Idea of a Perfect commonwealth (172) على أهمية الفيدرالية في وضع القوانين والتشريعات، لكن مفهومه للفيدرالية كان يميل نحو منح سلطات أكبر للمركز على حساب المحليات. وكان لفكر هيوم تأثير كبير على أصحاب الفكر الفيدرالي في الولايات المتحدة، مثل جيمس ماديسون. واعتبر أن الفيدرالية هي أفضل طريقة لتحقيق السلام الدائم . وذلك من أجل منع حدوث الحروب فيما بينهم، ولحمايتهم من المعتدين، حيث يقلل النظام الفيدرالي من وجود الدول الضعيفة القابلة للاعتداء عليها من قبل أخرى قوية. وحدد مل ثلاثة شروط أساسية للفيدرالية، وهي: 2 ألا تكون الأطراف المحلية أقوى من المركز؛ بحيث تبقى في حاجة إلى مساعدة المركز إذا ما تعرضت إلى تهديد أو خطر وجود نوع من التساوي في القوة بين الوحدات المكونة للدولة الفيدرالية؛ حتى لا تطغى واحدة أو مجموعة منها على الأخريات. من جهة أخرى تحدث المفكر السياسي - الاقتصادي الفرنسي- بيير - جوزيف برودهون (1809-1865) في كتابه Da Principe federative (1863) مدافعاً عن النظام الفيدرالي باعتباره أفضل الطرق للمحافظة على الحريات الفردية. لقد كان برودهون منتقداً المركزية، لذلك نجده يدعو إلى الفيدرالية باعتبارها تشجع على اللامركزية التي تعطي المحليات سلطات وصلاحيات ليست ضعيفة. وكان برودهون من أوائل الداعين إلى وحدة أوربا في نظام فيدرالي ليحل محل النظام الإقطاعي والمسيحي السائد في وقته. قرن الفيدرالية . 10 وعندما نأتي للحديث عن تطور الممارسة الفيدرالية في التاريخ الحديث، فإن الكثير من المهتمين بهذا الموضوع يربطونه بالفيدرالية في الولايات المتحدة الأمريكية. وقد بدأت قصة الفيدرالية في الولايات المتحدة عام 1781 عندما أقيم النظام الكونفيدرالي بين 13 ولاية أمريكية نجحت في الاستقلال عن بريطانيا. وأدى هذا النظام الكونفيدرالي إلى إنشاء مركز ذي صلاحيات ضعيفة جداً في فرض القانون وحماية المصالح التجارية للولايات الأعضاء والدفاع عنها. نتيجة لذلك، حاولت تلك الولايات تطوير العمل الاتحادي من خلال عقد اجتماعات متعددة خلال الفترة من 25 مايو إلى 17 سبتمبر 1787 في ولاية فيلادلفيا، وهي الاجتماعات التي اصطلح على تسميتها بمؤتمر فيلادلفيا كانت مداولات المؤتمر سرية، واقتصر ما ظهر عنها بالدرجة الأساسية على ما كتبه جيمس ماديسون في مذكراته. ويعتبر ماديسون أبا الدستور الأمريكي في نظر الذي وضع أجندة المؤتمر، وأصبح الرئيس الرابع للولايات البعض؛ وكانت المداولات في فترة انعقاد المؤتمر وفترة ما بعد المؤتمر تدور في الأساس بين فريقين: الأول يريد الاستمرار في الوضع الكونفيدرالي القائم آنذاك، أما الفريق الثاني فقد أراد تحويــل النظــام مــن الكونفيدرالية إلى الفيدرالية، وهو ما كان يميل إليه ماديسون ورفاقه الذين كتبوا الأوراق الفيدرالية»، وهم أليكساندر هاملتون (1755-1804) وجون جاي (1829-1745)، بحيث يستطيع القيام بدور مهم في إدارة الاتحاد . !! 11 وتمت المصادقة عليه في 4 مارس 12. 1789 وبناءً عليه، أقيم النظام الفيدرالي في الولايات المتحدة من حكومة مركزية على المستوى الفيدرالي وحكومات محلية على مستوى الولايات، بحيث يكون لكل مستوى من مستويات الحكم صلاحياته التي يمارسها ويعمل من خلالها. وتعتبر «الأوراق الفيدرالية - وهي 85 مقالة حث فيها أنصار الفيدرالية الشعب في الولايات المختلفة، ولاسيما في ولاية نيويورك، على المصادقة على الدستور، وتم نشرها في صحف الولايات التي كانت تجري فيها عمليات التشاور للمصادقة على الدستور الأمريكي الجديد - من أهم الوثائق في دراسة النظام السياسي الفيدرالي الأمريكي تتمتع الدول عامة بوجود ثلاث سلطات أساسية هي: السلطة التنفيذية، والسلطة التشريعية، والسلطة القضائية. وفي النظم الفيدرالية هناك مستويان لتلك السلطات الثلاث؛ حيث إن هناك سلطة تنفيذية وسلطة تشريعية وسلطة قضائية على مستوى الحكومة الاتحادية ، وهناك سلطة تنفيذية وسلطة تشريعية وسلطة قضائية على مستوى كل وحدة سياسية مكونة للدولة الفيدرالية. وكل من تلك السلطات على المستويين الاتحادي والمحلي لها صلاحياتها التي يخولها لها الدستور الاتحادي بحيث لا يكون هناك تعارض بين عمل تلك السلطات على المستويين الاتحادي والمحلي. هذا الوضع يختلف بالطبع عن الوضع في الدولة المركزية الموحدة التي يكون لديها تلك السلطات الثلاث على المستوى المركزي فقط؛ حيث إن المركز هو المسؤول عن إدارة شؤون الدولة بالكامل، فهناك سلطة تنفيذية واحدة وسلطة تشريعية واحدة وسلطة قضائية واحدة تغطي صلاحياتها رعايا الدولة في جميع مناطقها الجغرافية. ويمكن معرفة أدوار السلطات الثلاث ومهماتها فيما يأتي: السلطة التنفيذية وفي النظم الرئاسية يكون رئيس الدولة هو المسؤول عن قيادة السلطة التنفيذية كما هو الحاصل في النموذج الأمريكي مثلاً؛ لكن التوازن في توزيع المسؤوليات التنفيذية في النظم الشبه رئاسية يختلف من دولة إلى دولة أخرى. وفي الدول الفيدرالية نلحظ أن السلطة التنفيذية تكون متواجدة المستويين الاتحادي والمحلي، حيث إن هناك سلطة تنفيذية تتولى إدارة شؤون الاتحاد، ويؤدي صلاحياته التي يخولها له الدستور الاتحادي؛ ؛ أما على مستوى الوحدات السياسية فإن السلطة التنفيذية عادة ما تكون تحت مسؤولية حاكم تلك الوحدة الذي يؤدي الصلاحيات التي يخولها له دستور تلك الوحدة أو قانونها الذي يأتي متماشياً مع دستور الاتحاد. 1 في النظم الديمقراطية التي تعتمد أسلوب الفصل بين السلطات الثلاث، تنحصر مهمة السلطة التنفيذية في تنفيذ ما تسنه لها السلطة التشريعية من قوانين وقرارات. ويتمتع رئيس السلطة التنفيذية في بعض الحالات بسلطة رفض التشريعات، لكن مشاركته في التشريع محدودة في الدول الديمقراطية التي تعتمد أسلوب الفصل بين السلطات. مثلاً، نجد السلطة التشريعية ممثلة في الكونجرس الذي لديه سلطة التشريع ووضع القوانين في البلاد، أما الحكومة الأمريكية التي يرأسها الرئيس. بالطبع الرئيس الأمريكي له دور في التشريع، ولكن دوره في الغالب محدود، حيث إن عليه الحصول على موافقة الكونجرس لإصدار تشريع اتحادي وضع البرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية المناسبة لمتطلبات المجتمع، فالسلطة التنفيذية بمنزلة العقل المفكر للبرامج والمشروعات التي تقدم للمشرع . ففي الولايات المتحدة، مثلاً، نجد أن السلطة التنفيذية الممثلة بالرئيس والأجهزة البيروقراطية الممثلة في الوزارات تتولى وضع الخطط والبرامج التي يجب أن تحصل في الغالب على تأييد الكونجرس لتنفيذها. إدارة تنفيذ البرامج والمشروعات التي يوافق عليها المشرع ومتابعة عملية الإشراف عليها، وتكون السلطة التنفيذية مسؤولة أمام المشرع في هذا الخصوص. إدارة علاقات الدولة الخارجية مع الدول الأخرى ومع المنظمات الدولية المختلفة. مواجهة الأزمات من خلال وضع خطط وبرامج سريعة لمواجهة أي أزمة تواجه الدولة، الرجوع إلى السلطة التشريعية، إذا اقتضت الضرورة اتخاذ قرارات سريعة. أداء الواجبات الاحتفالية المختلفة في الدولة . 13 السلطة التشريعية تتكون السلطة التشريعية من برلمان أو كونجرس أو مجلس نيابي أو مجلس وطني يضم في عضويته أشخاصاً يمثلون الشعب، للدولة الاتحادية. يكون أولئك الأعضاء منتخبين من قبل شعوبهم في الدول التي تطبق مبادئ الديمقراطية، ويكونون معينين في حالة الدول التي لا تطبق مبادئ الديمقراطية . 14 وقد تكون الهيئة التشريعية من مجلس واحد، وهو عادة ما نجده في الدول المركزية - مثل مجلس الأمة في الكويت – أو من مجلسين، وهـو مــا نجده في الدول الفيدرالية؛ ومن ذلك مثلاً الكونجرس الأمريكي الذي يوجد به مجلس النواب ممثلاً للشعب، ومجلس الشيوخ ممثلاً للولايات. كما أنه على المستوى المحلي للوحدات السياسية المكونة للدولة الفيدرالية نجد أنها تتمتع بوجود سلطة تشريعية عادة ما تكون منتخبة من شعب كل وحدة وتتولى عملية التشريع المحلي. أما صلاحيات السلطة التشريعية ومهماتها على المستوى الاتحادي فتشمل الآتي: 1 تشريع القوانين الاتحادية. 2 تعديل أو إلغاء قوانين قائمة. 3 تمثيل الشعب في الدولة. 5 متابعة عمل السلطة التنفيذية. 6. إضفاء الشرعية على النظام السياسي . 15 السلطة القضائية هي السلطة المسؤولة عن تفسير القوانين الصادرة عن السلطة التشريعية، والتي تعمل على تنفيذها السلطة التنفيذية. ويعد استقلال السلطة القضائية أمراً ضرورياً وسمة مهمة من سمات النظم الديمقراطية والنظم التي تحترم الحريات. ويمكن تحديد مهمات السلطة القضائية في الآتي: شرح وتفسير القوانين والتشريعات. 2 حل الخلافات والنزاعات الدستورية. 4. إضفاء الشرعية على قوانين السلطة التشريعية وقرارات السلطة التنفيذية. وفي الدول الفيدرالية تتواجد السلطة القضائية على المستويين الاتحادي والمحلي؛ حيث يتولى القضاء الاتحادي الشؤون القضائية للدولة الاتحادية، الفصل بين السلطات يعتبر مبدأ الفصل بين السلطات واحداً من أهم سمات الدول الحديثة والمعاصرة. فهذا المبدأ يقوم على أساس أن السلطات الثلاث الرئيسية المذكورة أعلاه التنفيذية والتشريعية والقضائية) لابد أن تتواجد كل واحدة منها في فرع مستقل، بحيث لا يكون هناك تداخل في الصلاحيات بين تلك السلطات الثلاث؛ حتى لا تسيطر إحداها على الأخرى. فالسلطة التشريعية مسؤوليتها التشريع، والسلطة التنفيذية مسؤوليتها التنفيذ، في حين أن السلطة القضائية مسؤوليتها القضاء. فالدول التي تفصل بين السلطات الثلاث تتمتع بدرجة عالية من الحرية والديمقراطية، في حين أن الدول التي لا تفصل بينها أو تجعل السلطات الثلاث في يد شخص واحد أو حزب واحد تفتقر إلى الحرية والديمقراطية. لقد كان لكتابات كل من جون لوك (1632-1704) وبارون دي مونتسكيو (1775-1689) الفضل الكبير في إحياء فكرة الفصل بين السلطات . 16 لكن مبدأ الفصل بين السلطات لا يعني الفصل التام بين السلطات الثلاث، إذ لا بد من وجود درجة من الاعتماد المتبادل بين السلطات حتى تستطيع كل سلطة تحقيق السلطة الأخرى، وحتى لا تطغى سلطة على أخرى أو تنفرد سلطة التوازن مع بنفسها بشكل مستقل. مثلاً ، نجد أن هناك اعتماداً متبادلاً وتداخلاً دستورياً بين ما ال تتمتع به السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية. وعادة ما تشير دساتير الدول إلى مبدأ ا- الفصل بين سلطاتها في حالة الدول التي تتبع هذا المبدأ وتلتزم به . 17 واقع الفيدرالية اليوم و دولتان في مرحلة التحول نحو الفيدرالية؛ هما العراق والسودان (الجدول (1-2) ، وهناك دول تفكر في الفيدرالية كسريلانكا. ويعيش نحو 40% من سكان العالم في دول تتبع النظام الفيدرالي، وهو ما يشير إلى أن النظام الفيدرالي له قبول عالمي. 6 والملاحظ أن الدول الفيدرالية تختلف في ممارستها للفيدرالية، وإن كانت جميعها تؤمن بالمبادئ العامة لها. وبذلك، يختلف من دولة إلى أخرى، ومن وضع تاريخي إلى آخر . فبناء الفيدرالية قد يعنـي عند البعض المركزية، وقد يعني عند البعض الآخر اللامركزية. فالفيدراليون في الولايات المتحدة وأستراليا مثلاً كانوا عند نشأة النظام الفيدرالي في الولايات المتحدة وأستراليا يدعون إلى تبني نهج تقوية الحكومة المركزية للاتحاد، وهو ما يمكن أن يقال كذلك عن الفيدراليين في الاتحاد الأوربي اليوم الذين يدعون إلى تقوية الحكومة الاتحادية المركزية على حساب الوحدات السياسية أو الحكومات المحلية في أوربا. وعلى عكس ذلك نجد أن فيدراليي إسبانيا وألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية ركزوا على ضرورة تحقيق اللامركزية، أي تقوية الحكومات المحلية على حساب الحكومة الاتحادية المركزية. أما الوضع في فيدرالية كندا فيختلف إلى حد ما أيضاً عن الفيدراليات الأخرى، حيث تم تطويع الفيدرالية هناك من أجل المحافظة على بقاء مقاطعة كوبيك 18 ضمن الاتحاد وعدم انفصالها عن البلاد، لذلك نجد أن الفيدرالية في كندا أعطت كوبيك صلاحيات أكبر من غيرها. لا توجد معادلة محددة لتحديد الصلاحيات التي يجب أن تتمتع بها الحكومة الاتحادية والصلاحيات التي يجب أن تتمتع بها الوحدات السياسية في النظام الفيدرالي. لكن في الغالب نستطيع القول بأن الوحدات السياسية في الدول الفيدرالية تتمتع عادة بالشؤون التي لها صلة مباشرة بحياة المواطن، كالأمور المتعلقة بقوانين وتشريعات الملكية والمواصلات الداخلية والأعمال التجارية والتعليم وقوانين الجريمة وتشريعات العمل الداخلية. أما الحكومة الاتحادية فهي عادة ما تتولى شؤون الدفاع والخارجية والهجرة والنقد، وذلك على اعتبار أن إدارة مثل هذه الشؤون بحاجة إلى حكومة مركزية واحدة. وتتفاوت درجة قوة ما يمكن أن تتمتع به الحكومة الاتحادية والوحدات السياسية من صلاحيات في الدول الفيدرالية بناء على طبيعة الدولة ذاتها وما يحدده دستورها . 19 ومن خلال ملاحظة التجارب الفيدرالية المتعددة في العالم، يمكننا بشكل عام القول بأن هناك ثلاثة أنماط في عملية توزيع الصلاحيات، وهي: 1 تحديد قائمة بالصلاحيات التشريعية الممنوحة للحكومة الاتحادية، وترك كل ما لم يحدد على أنه من الصلاحيات التشريعية للوحدات السياسية. وفي مثل فيما تعطى الصلاحيات الأخرى لحكومات الوحدات السياسية. وهذا النمط يمكن مشاهدته، على سبيل المثال، في النموذج الفيدرالي الأمريكي والسويسري والأسترالي والألماني والباكستاني والمكسيكي والأرجنتيني والنمساوي، حيث إن جميع هذه النماذج من الممارسة الفيدرالية تحدد صلاحيات الحكومات المركزية التشريعية، وتترك صلاحيات الوحدات السياسية التشريعية بلا تحديد مباشر . 2. تحديد قائمة بالصلاحيات التشريعية الممنوحة للوحدات السياسية، وترك كل ما لم يحدد على أنه من صلاحيات الحكومة الاتحادية. كما هو معمول به في النموذج الفيدرالي في كل من كندا وبلجيكا. 3 تحديد قائمة بالصلاحيات التشريعية الممنوحة للحكومة الاتحادية، وقائمة بالصلاحيات التشريعية الممنوحة للوحدات السياسية، بحيث تتم عملية مشاركة الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية في الصلاحيات الرئيسية الممنوحة، وهو المعمول به في النظام الفيدرالي الإسباني. مكونات الفيدرالية هناك مجموعة من المكونات التي يجب أن تتوافر في النظم الفيدرالية، 1 وجود مستويين للحكم يعملان في الوقت ذاته على رقعة جغرافية واحدة وعلى شعب واحد. فالنظام الفيدرالي الأمريكي مثلاً يتكون من حكومة مركزية على المستوى الاتحادي، وحكومات محلية على مستوى الولايات الخمسين المكوني للولايات المتحدة الأمريكية، وهو حال النظم الفيدرالية الأخرى في العالم المستوى الاتحادي وحكومات محلية موجودة على حيث هناك حكومة على ولا يتعدى طرف على صلاحيات الطرف الآخر ويجب ألا يعمل طرف على القضاء على صلاحيات الطرف الآخر . وذلك من أجل ضمان وجود درجة من الاستقلالية لكل مستوى؛ أي أن هناك درجة من الفصل بين السلطات الاتحادية على مستوى الدولة الاتحادية وبين السلطات المحلية على مستوى الوحدات السياسية المكونة للاتحاد. 3 الصلاحيات المخولة لكل طرف تكون محددة في إطار دستور مكتوب؛ أي أن العلاقة القائمة بين الحكومة المركزية والحكومة المحلية تكون محددة من خلال إطار قانوني رسمي لا يستطيع أي طرف أن يغيرها بذاته، ويتطلب تغييرها أو تعديلها موافقة الآخرين. فوجود دستور مكتوب يعد أمراً ضرورياً لكي يكفل حقوق الجميع. وفقاً لما هو محدد في الدستور. من خلال السلطة التشريعية الاتحادية، وذلك لضمان دور الوحدات السياسية في تسيير أمور الاتحاد. يتطلب تطبيق الفيدرالية توافر بعض العوامل أو الظروف التي تساعد بعض الدول على تبني النهج الفيدرالي وتجعلها أكثر تأقلماً مع الأخذ بالنهج الفيدرالي دون غيرها من الدول، وهذه العوامل يمكن تحديدها في الأمور الآتية: وجود مجموعة من الكيانات السياسية التي تسعى للمحافظة على هويتها وعلى استقلالها إلى حد ما. فالفيدرالية الأمريكية مثلاً - التي تعتبر كما ذكرنا سابقاً أول نموذج فيدرالي في العالم - تم تشكيلها من مستعمرات سابقة كانت تتمتع كل واحدة منها بهوية سياسية متميزة عن الأخرى، لكنها رأت أنه من الأفضل لها أن تتشكل في إطار دستوري يتبع النهج الفيدرالي، مع المحافظة على سماتها 2 وجود تهديد خارجي لتلك الكيانات التي لا يستطيع كل واحد منها بمفرده التصدي له، فتلجأ تلك الكيانات إلى العمل على إقامة كيان فيدرالي واحد يساعدها على تحقيق الأمن والاستقرار لها. فالدولة الأمريكية أنشئت عام 1789 جزئياً بسبب الخوف من التهديدات الخارجية. 22 وعليه نستطيع القول بأن الفيدرالية تساعد على تحقيق الأمن والاستقرار للدول، التهديدات الخارجية التي يمكن أن تهدد كيانها في حالة بقائها معزولة. الاختلافات الثقافية والمجتمعية في منطقة جغرافية معينة، بما يفرض على الكيانات الراغبة في الوحدة أن تعمل على تبني النهج الفيدرالي، ومثال ذلك الفيدرالية السويسرية التي دمجت 23 إقليماً وأربع لغات (الألمانية، الفرنسية، الإيطالية والرومانية) وديانتين (الكاثوليكية والبروتستانتية) في ظل نظام فيدرالي واحد، وكذلك الفيدرالية الهندية التي استطاعت دمج أكثر من 106 لغات وأكثر من 2000 مجموعة قومية في نظام 4 الاتساع الجغرافي لبعض الدول وتباعد مكوناتها، مما يجعل اتباع النهج الفيدرالي هو الأفضل، كما هو الحال في روسيا والولايات المتحدة وكندا والبرازيل والهند وأستراليا. فالنظام الفيدرالي يعتمد على اللامركزية في إدارة شؤون البلاد، حيث يصعب على الدولة المركزية أن تفرض سيطرتها بشكل مركزي وقوي إذا كان امتدادها الجغرافي كبيراً، فيما تكون العملية أسهل على الدول التي تتبع النظام الفيدرالي لأنها تمنح المناطق درجة عالية من الاستقلالية في إدارة شؤونها . 23 طرق نشأة الدول الفيدرالية عادة ما تنشأ الدول الفيدرالية من خلال إحدى الطريقتين الآتيتين: ال الـ ال وذلك من أجل تحقيق أهداف لا يمكن أن تتحقق من دون قيام ذلك ا ا الاتحاد؛ وهو الأسلوب الذي اتبعت الولايات المتحدة وسويسرا وأستراليا، وكذلك الإمارات. البقاء معاً؛ وذلك من خلال تحول دولة مركزية موحدة قائمة بذاتها من اتباع النظام المركزي الموحد إلى اتباع النظام الفيدرالي، وذلك في محاولة لمواجهة تحديات ناتجة عن الاختلافات الداخلية في الدولة ؛ كالاختلافات الثقافية والعرقية، ومنع تفكك الدولة وانقسامها إلى مجموعة دول مستقلة، وكذلك هو الأسلوب الذي تحاول دول كالعراق