المطلب الثامن: جمالية التلقي أوالتقبل تعتبر جمالية التقبل من أهم النظريات المعاصرة التي اهتمت بالقارئ والقراءة، وتنسب لجامعة كونستانس، ومن ممثليها: ياوس وآيزر. ولا ننسى كذلك الناقد الأمريكي ستانلي فيش الذي اهتم كثيرا بنظرية الاستقبال. وقد بلورت هذه المدرسة مجموعة من المفاهيم الأساسية، ويعني هذا أن آيزر يرى أن المتلقي الحقيقي هو الذي يرتكن إلى القراءة النقدية الإدراكية التي تستشكف الرموز بشكل جيد وواع، وتحترم تماسكه واتساقه وانسجامه ومنطقة الداخلي العضوي، والتأويلات البعيدة التي تُقول النص مالم يقله إطلاقا. لكن الناقد يبرزه عن طريق آليات التناص والاستنطاق. مادام النفي يملأ البياض والفجوات المضمرة والمخفية. بمعنى أن تأريخ الأدب وتحقيبه سيخضع لمجمل القراءات التي يدلي بها القراء في زمان ومكان معينين؛ يقول دافيد كارتر:" يستخدم يوس مصطلح" أفق التوقعات" للإشارة إلى المعايير التي يستخدمها القراء في أي مرحلة معينة، وقد يكون من الممكن إقامة أفق التوقعات لتقييم كيف يمكن لعمل أن يفسر عندما ظهر للمرة الأولى، ويجب أيضا ألا يغيب عن البال أن الكاتب يمكن أن يكتب وفقا لتوقعات أيامه، ولكنهم يثيرون إعجاب الكثيرين في عصور لاحقة. إن الهدف من تأسيس أفق التوقعات للعمل هو في نهاية المطاف من أجل السماح بانصهار الآفاق، وأهملت عنصرا فعالا في عملية التواصل الأدبي ألا وهو القارئ الذي اهتمت به نظرية التلقي والتقبل الألمانية أيما اهتمام. وتسييجه بالدلالات والتيمات المضمونية قصد تبليغ القارئ بحمولات النص المعرفية والإيديولوجية. فيكمن في عملية القراءة التي تخرج النص من حالته المجردة إلى حالته الملموسة. أي: يتحقق بصريا وذهنيا عبر استيعاب النص وفهمه وتأويله. ويجعل التأويل من القراءة فعلا حدثيا نسبيا، لايدعي امتلاك الحقيقة المطلقة أو الوحيدة المتعالية عن الزمان والمكان. ولايتحقق العمل الإبداعي المثمر والهادف إلا بالمشاركة التواصلية الفعالة بين المؤلف والنص والجمهور القارئ. ويدل هذا على أن العمل الإبداعي يتكون من عنصرين أساسين: النص الذي قوامه المعنى، في شكل استجابات شعورية ونفسية ( ارتياح- غضب- متعة- تهييج- نقد- رضا. ). وهذا يجعل النص الأدبي يرتكز على الملفوظ اللغوي(النص) والتأثير الشعوري ( القارئ) على حد سواء، من خلال التفاعل الحميم والاتصال الوجداني بين الذات والموضوع. بل هو ذلك الاتصال التفاعلي بينهما في بوتقة منصهرة واحدة. فإن منهجية التقبل والقراءة تنطلق من خطين مزدوجين متبادلين: من النص إلى القارئ، ولايحقق نص المؤلف مقصديته ووظيفته الجمالية إلا بفعل التحقق القرائي، والتأرجح بين الإخفاء والكشف على مستوى استخلاص المعاني، ولن تكون القراءة مثمرة جادة إلا إذا وجد القارئ الافتراضي الخيالي الذي يعيد بناء النص بنقده وتأويله، فهو قارئ له قدرات خيالية شأنه شأن النص. وهو لايرتبط مثله بشكل من أشكال الواقع المحدد، بل يوجه قدراته الخيالية للتحرك مع النص باحثا عن بنائه، فيملؤها باستجابات الإثارة الجمالية التي تحدث له. كما تعيد هذه النظرية قراءة الموروث الأدبي والإبداعي بالتركيز على ردود القراء وتأويلاتهم للنصوص وانفعالاتهم، و رصد ردود قراءاتهم وأذواقهم الجمالية في أثناء التفاعل بين ماهو شعوري ( القراءة) و ماهو لفظي ( النص). يقول أيضا:" كيف يتم استقبال النص الأدبي من طرف جمهور معين؟ إن الأحكام الصادرة عن الآثار الأدبية تعكس بعض وجهات النظر وبعض الضوابط السائرة بين الجمهور المعاصر مما يجعل الدليل الثقافي المرتبطة به هذه الأحكام، بسبب مراعاتها مجموعة من المعايير والآليات التجنيسية والتحليلية المعروفة. تنزاح عما ألفه من مفاهيم القراءة التقليدية؛ بسبب الانزياح الفني بين الطرائق الموجودة في السرد الكلاسيكي والسرد المعاصر. وتجعل توقعه الانتظاري خائبا بفعل هذا الخرق الفني والجمالي الذي يسمو بالأعمال الأدبية، يقصد - يوس- بالمسافة الجمالية " ذلك البعد القائم بين ظهور الأثر الأدبي نفسه وبين أفق انتظاره، وإنه لايمكن الحصول على هذه المسافة من استقراء ردود أفعال القراء على الأثر. أكد يوس على أن الآثار الأدبية الجيدة هي تلك التي تنمي انتظار الجمهور بالخيبة، وتلبي رغبات قرائها المعاصرين هي آثار عادية جدا تكتفي، باستعمال النماذج الحاصلة في البناء والتعبير، إن آثارا من هذا النوع هي آثار للاستهلاك السريع سرعان ما يأتي عليها البلى. فإنها آثار تطور الجمهور وتطور وسائل التقويم والحاجة من الفن، ثم يغير هذا القارئ آليات قراءته وأدواته مرات ومرات حتى ينسجم مع معطيات النصوص المفتوحة. نص يراعي أفق انتظار القارئ؛ نص يخيب أفق انتظار القارئ؛ نص يؤسس أفق انتظار القارئ. وإذا انتقلنا إلى مرتكزات هذه النظرية، العمل الأدبي بين القطبين: الفني والجمالي؛ سوسيولوجيا الأدب في نهاية الأمر. ويقول إيزر محددا مؤثرات أخرى لنظريته: " من الشائع الآن أن النظريات تمارس تأثيرا معينا على الساحة الثقافية الألمانية: الماركسية، هي تسجيل استجابات الناس واستخلاص استدلالات فيما يتعلق بالقانون الاجتماعي الذي يتحكم في اتجاهاتهم. إذ أثبتت هذه النزعة أنها رد فعل للانتفاع بالنص الأدبي في أغراض شتى، ومن رواد هذه النظرية في العالم العربي عبد الفتاح كليطو في كتابيه: (الحكاية والتأويل) و( الأدب و الغرابة)، فيتحدث عن القارىء الخبير أو المؤهل أو المكون الذي يستوجب فيه الناقد أن يمتلك خبرة لغوية ومعجمية ودلالية وأدبية لفهم النص وتلقيه بشكل جيد. تقول نوال بنبراهيم:"القارىء الخبير حسب فيش هو مفهوم بيداغوجي يطمح إلى بلورة معلومات المؤلف (بفتح اللام)، المطلب التاسع: شعريـــة القـــراءة كما أن القراءة الشعرية أو البويطيقية هي التي تبحث عن الدلالات المتعددة للنص عبر قراءة شكلية تفكيكا وتركيبا، وقد اهتمت هذه القراءة بالمتلقي كقارىء خارجي وقارىء مفترض داخل العملية السردية. كنا ننظر في بعض الأحيان- وهذا نادر- إلى مشكل القراءة من خلال وجهتي نظر مختلفتين جدا، لكن يبقى هناك مجال غير مكتشف هو مجال منطق القراءة الذي لايتجسد داخل النص، وسأركز هنا – يقول تودوروف-على نوع واحد منها ليس نادرا، وعلى الأخص النصوص التي يقال عنها تمثيلية. وقد توصل تودوروف في دراساته الشعرية والبنيوية إلى أن القراءة الشعرية هدم وبناء وتفكيك. المطلب العاشر: القراءة السوسيونقدية (sociocritique) سنقول:- يتحدث ريمون ماهيو(Raymond Mahieu)- إن المكتوب الأدبي الذي هو نتيجة متفردة لفاعلية إنتاجية تقع في زمان ومكان معينين، لايمكن أن يتأسس إذا كان سيقرأ خارج أي معرفة بما يبرز علاقاته مع واقع متعدد، ومثل هذا الاستبعاد الذي لايعطي للمتخيل الذي ينبثق منه النص إلا فضاء إجرائيا منقحا بشكل اعتباطي وكمونا من عدد معين من المواد العضوية بالنسبة إليه، أي: تمزج بين الأدب كبنية جمالية مستقلة والمعطى السوسيولوجي كما هو حال البنيوية التكوينية للوسيان كولدمان الذي يماثل بين البنية الأدبية المستقلة والبنية الاجتماعية المستقلة بدورها عن طريق الانعكاس غير المباشر. المطلب الحادي عشر: القـــراءة التواصلية تستوجب القراءة التواصلية أو التخاطبية وجود ثلاثة أطراف: المرسل (الباث-المتكلم- المتلفظ -المرسل - المتحدث-المبدع)، ليقوم بدوره بتفكيكها في ضوء سنن مشترك أو لغة يعرفها كل من المرسل والمرسل إليه. يقول الباحث التونسي حسين الواد:" لقد اعتنت نظرية التخاطب، ورأت أن الباث يسجل بلاغه في الكلام حسب قواعد في التسجيل تواضع عليها الناس، وأن المتقبل يعمد إلى فك رموز الكلام ليحصل على البلاغ منها. فمهما بذل الباث من جهد في تفادي عناصر التضليل والتحريف وسوء الفهم، ولقد كان لهذه النظرية أثر بارز في درس الآثار الأدبية، إذ عمدت طائفة من الباحثين إلى جعل المؤلف باثا والقارىء متقبلا والأثر يحمل بلاغا. فمنتهى أمل الباث في التخاطب العادي أن يصل بلاغه سالما من العثرات إلى المتقبل. والذي يساعده على ذلك ارتباط البلاغ عادة بالمرجع أو السياق يحضر القارىء أثناء القراءة، وكان التفاف الكلام فيه على نفسه أشد مايكون. وبما أن النظرية التواصلية أو الإبلاغية تعتبر الأدب ظاهرة غامضة مليئة بالعلامات الشائكة والرموز العائمة، وتأويلها في ضوء تجاربه الشخصية وهويته الذاتية. وينتظر منه أن يثري البلاغ الأدبي بإضافات شخصية من عنده يسلطها عليه. المطلب الثاني عشر: القـــــراءة الإسلاميـــة تهدف القراءة الإسلامية المعاصرة إلى قراءة الأعمال والإنتاجات الأدبية في ضوء التصور الإسلامي للفن والأدب، وتفادي الغموض والإبهام إلا إذا كان ذلك الغموض فنيا قد وظف في سياقات جمالية مقبولة. في ضوء معايير ربانية ومقاييس شرعية، والعمل على توفير التوازن الوسطي بين ماهو مادي وماهو روحاني. كما تستكشف القراءة الإسلامية مواطن الضلالة والشرك والغي والإلحاد في النصوص والخطابات، فتقوم بتصحيحها وتنويرها بمشكاة الحق والنور الرباني المشع. فالقراءة الإسلامية قراءة حضارية بديلة تجمع بين المضمون والشكل، وتغيير الإنسان تغييرا إيجابيا. فهي ترتكز على التجليات الإسلامية في النص الأدبي شكلا ومضمونا ووظيفة، وتستخلصها كملامح وخصائص للاقتداء والاستهداء. وهناك كثير من الكتاب والنقاد الذين تمثلوا القراءة الإسلامية تنظيرا وتطبيقا ودعوة وتوجيها، ومن بينهم: الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي، بيد أن مايلاحظ على النظرية الإسلامية في الأدب والنقد أنها تصب اهتمامها على المضامين والرؤى والرسائل الفكرية، لاتنفتح بشكل من الأشكال عن المناهج النقذية الغربية التي لاتتعارض مع التصورات الإسلامية. المبحث الثالث: التمثل العربي لنظريات القراءة وسمير حجازي في مقاله( التفسير السوسيولوجي لشيوع القصة القصيرة )(1982م) . ونوال بنبراهيم في كتابها( جمالية الافتراض من أجل نظرية جديدة للإبداع المسرحي. المبحث الرابع: تقويــــم نظرية القراءة يتبين لنا أن نظريات القراءة تهتم بالقارىء والمتلقي على حساب النص والكاتب المبدع. وهذه نظرية جزئية قاصرة لاتصلح للإحاطة بالنص الأدبي من جميع جوانبه الرئيسة. فالمنهج التكاملي أو التوفيقي هو أفضل المناهج ؛ فالنقد الحقيقي هو الذي يعطي أهمية كبرى للمؤلف، لكننا لانريد دراسات سطحية باهتة، بل دراسات معمقة في تحليلها لكل عنصر من تلك العناصر. وخلاصة القول: عندما نريد الحديث عن القراءة، فليست هناك - في الحقيقة- قراءة واحدة أو نظرية قرائية واحدة، وهذه القراءات يمارسها ناقد ما أو فيلسوف أو مفكر ما. باعتباره طرفا أساسيا في العملية الأدبية والإبداعية، هي سيميائية رولان بارت وأمبرطو إيكو؛