لعب العنف بمختلف تجلياته ومظاهره دورا حاسما في تاريخ البشر. ويرجع ذلك إلى كون العنف آلية من الآليات الأساسية عند البشر، بل هو مكون من مكوناتهم التي لا يمكن التخلص منها إلا في حدود تزداد أو تتقلص بقدر ما يزداد أو يتقلص دور التنشئة الاجتماعية والتربية والمؤسسات في أنسنة الإنسان وترقيته روحيا. لذلك يعتبر الحل السياسي للعنف هو أحسن حل تم التوصل إليه إلى غاية اليوم؛ ويتجلى ذلك في لجوء الدولة إلى ممارسة العنف (بواسطة القوات العمومية) عبر آليات يضبطها الدستور والقوانين المتفرعة عنه. لهذا يقال إن عنف الدولة عنف مشروع عكس عنف الأفراد والجماعات الذي لا يكون محكوما بالضوابط القانونية، بقدر ما يكون موجها بالانتقام والنزعات العدوانية التلقائية. العنف الأول مقبول ومعترف به، ولهذا السبب قيل: العنف يكون قبل السياسة أو بعد موتها. السياسة إذن هي تعليق العنف وفق شروط وضوابط، وبالتالي لا يمكن أن نفصل بينهما. فلماذا يؤكد صاحب القولة على أن لا أحد استطاع الاستمرار في الحكم باللجوء إلى العنف وحده؟ تقتضي الإجابة عن السؤال توضيح الأمر الآتي: إن الاستمرار في الحكم استمرار مشروط بالمشروعية التي تقوم عليها الشرعية، وبالتالي تكون القاعدة هي اللجوء إلى الآليات السياسية المتفق عليها ديمقراطيا للتفاوض وتدبير الخلافات والنزاعات وتضارب المصالح، فإن ذلك الأمر يدشن مسلسل العنف، ليقوم عنف إزاء آخر، فيكون المقياس هو قوة العنف لا قوة الاتفاق المبني على الحوار والإقناع والاتفاق؛ مما يعني قوة القهر التي يضمنها العنف لا تكون سوى مؤقتة ومشروطة بمدى دوامها. والقوة مهما ازدادت شدة فلابد لها من أن تضعف أمام قوة أخرى. والحال أن الاتفاق العقلي بين الناس عندما يكون نتيجة للحوار بينهم وتأكيدا لأخذهم بوجهات نظر بعضهم البعض يكون أضمن للعمران البشري والاجتماع، لأن القوى الاجتماعية تتعرف على نفسها في ذلك الاتفاق، ولا يمنحها العنف الذي يولد عنفه المضاد، ومن ثمة كل أسباب الخراب التي تهدد كل المجتمعات بدون استثناء.