الفصل الثالثالمواطنة الرقمية : المفهوم والتداعياتأولا : المفهوم التقليدي للمواطنة تتضمن تلك الروح الوطنية مجموعة من القيم التي تحدد علاقة الفرد بالمجتمع، وتصل به إلى الالتزام بالعقد الاجتماعي الذي يربط بينالمواطنين المتساوين في الحقوق والواجباتلقد اشتق لفظ المواطنة والمواطن في اللغة العربية من الوطن، سواء ولد به أم لم يولد . ويشير مصطلح المواطنة Citizenship إلى الانتماء إلى أمة ووطن . ويُعرفها علماء الاجتماع على أنها علاقة اجتماعية تقوم بين فرد طبيعي ومجتمع سياسي كالدولة، ومن خلال هذه العلاقة يقدم الطرف الأول الولاء، ويتولى الطرف الثاني الحماية، ويمكن تعريف المواطنة إجرائياً على أنها شعور الفرد بالانتماء إلى جماعة اجتماعية لها ثقافة وتاريخ ومصير مشترك ويتم تنظيم هذا الشعور اجتماعياً وقانونياً وسياسياً كي يتمكن الفرد من خلال هذا الانتماء أن يسهم بشكل فاعل في الحياة الاجتماعية . ولقد اقترن مفهوم المواطنة عبر التاريخ بإقرار المساواة بين المواطنين.ويعتبر الانتماء إلى الأب والأسرة والجماعة والوطن شيئاً متأصلاً في النفس البشرية . وينتج عن مجموع الانتماءات الوطن واحد وبأفكار واحدة، مجتمع قوي متماسك، ودولة قوية كذلك . وفي المقابل يقود الانتماء الكاذب أو الانتماء الخالي من الولاء إلى تفكك المجتمع وضعفه، بالإضافة إلى بروز الفردية،يؤدي إلى ضعف المواطنة.إن مفهوم المواطنة لا يتعلق بالانتماء الرمزي إلى بقعة ترابية معينة يطلق عليها الوطن فحسب، ويتم ترجمة هذه المعاني في شكل حقوق وواجبات مقننة تنظم مختلف قطاعات المجتمع وأنساقه ومكوناته . تحدد المواطنة حقوق المواطن وواجباته الوطنية - كما تتميز المواطنة بنوع خاص من ولاء المواطن لوطنه، وخدمته في أوقات السلم، والدفاع عنه في أوقات الحرب والتعاون مع غيره من المواطنين عن طريق العمل المؤسسي والفردي والرسمي والتطوعي في تحقيق الأهداف التي يصبو إليها الجميع۱-۱ مستويات المواطنةيشير مصطلح المواطنة إلى وجود علاقة تبادلية بين الوطن والمواطن على مدى زمني طويل . وتستلزم المواطنة الفاعلة توافر صفات أساسية في المواطن، تجعل منه شخصيةمؤثرة في الحياة العامة . وتتعدد مستويات الشعور بالمواطنة على النحو التالي:شعور المواطن بالروابط المشتركة بينه وبين بقية أفراد الجماعة التي ينتمي إليها كالدم والجوار والوطن وطريقة الحياة بما فيها من عادات وتقاليد ونظم وقيم وعقائدوقوانين وغيرها.شعور المواطن باستمرار هذه الجماعة على مر العصور، وأنه وجيله يعد بذرة المستقبل.شعور المواطن بالارتباط بالوطن وبالانتماء للجماعة ارتباطا مصيرياً . وانعكاس كل ما يصيبهاعلى نفسه، وكذلك انعكاس كل ما يصيبه عليها.اندماج هذا الشعور لدى المواطنين في فكر واحد واتجاه واحد وحركة واحدة تعمل لتحقيق أهداف الجماعة الوطنية، وصيانة مستقبلها حفاظا على الأجيال القادمة.١-٢ أبعاد المواطنةإن المواطنة أو الهوية الوطنية تشير إلى ذلك الشعور العام بالتجانس عبر العاداتوالثقافة واللغة والسياسة، والذي يقدم إجابة لدى أفراد المجتمع السياسي بمعالمه وحدوده الجغرافية المرسومة على سؤال: من نحن ؟ . إدراك المواطنللأصل المشترك أو الثقافة أو الدين أو العرق أو الخبرات أو الخصائص الأخرى مع باقي أفرادالمجتمع من جانب، ووعي بالاختلاف عن المجتمعات الأخرى من جانب آخر . لذلك. ويمكن إيجاز أهم أبعاد مفهوم المواطنة في المحاور 1- البعد القانوني فالمواطنة تعتبر في المقام الأول قضية ذات وضع قانوني . هذا الوضع يشمل مجموعة من الحقوق والحريات التي يجب أن يتمتع بها المواطن دون قيود غير تلك.التي يفرضها المجتمع.٢- البعد الاجتماعي إن المواطنة تعني انتماء المواطن المجموعة من المواطنين في نطاق رفعة جغرافية محددة ومعترف بها داخليا وخارجياً . ومن ثم تحديد الولاء تبعاً لفهم تلك الهوية وكينونتها.3-البعد الثقافي والسلوكي إن ممارسة مبدأ المواطنة في الواقع مرتبط بالمنظومة الثقافية السائدة داخل المجتمع، تبدو المواطنة اليوم أقرب إلى نمط سلوكي مدني وإلى مشاركة نشطة ويومية في حياة المجتمع، أكثر مما هي وضع قانوني مرتبط بمنح الجنسية . إن المواطن الصالح هو الذي يشارك في الحياة العامة بكل تفاصيلها، ويسهم في تشكيل النظام السياسي.نظرا لعمق مفهوم المواطنة في الفلسفة السياسية المعاصرة التي تقوم عليها الدولة الحديثة، فإن المواطنة تشير إلى الانتماء إلى وطن يتمتع فيه المواطن بالعضوية كاملة الأهلية على نحو يتساوى فيه مع الآخرين الذين يعيشون في الوطن نفسه مساواة كاملة في الحقوق والواجبات وأمام القانون . كما يشير المصطلح أيضا إلى الواجبات القانونية، والالتزامات المعنوية المترتبة على المواطن . من ناحية أخرى تفرض هذه المواطنة عليه، وحماية القانون، والذود عن مصالح الجماعة الوطنية التي ينتمي إليها . وبالتالي فإن هذا المفهوم لابد له من عناصر ومكونات أساسية ينبغي أن تكتمل حتى تتحقق المواطنة .1-ان الانتماء يعرف الانتماء بأنه النزعة التي تدفع الفرد للدخول في إطار اجتماعي فكري معين. بما يقتضيه هذا الانتماء من التزام بمعايير وقواعد هذا الإطار، وينصرته والدفاع عنه في مقابل الأطر الاجتماعية والفكرية الأخرى. ويمثل الولاء الجانب الذاتي في مسألة الانتماء،المشاركة الوجدانية والشعورية بين الفرد والجماعة التي ينتمي إليها.ب الحقوقوتمثل في نفس الوقت واجبات على الدولة والمجتمع.تتضمن هذه الحقوق توفير التعليم وتوفير الخدمات الأساسية المتمثلة في السكن النظيف والخدمات الصحية والتأمين والضمان الصحي والأمن الاجتماعي، والبيئة النظيفة .وحق المشاركة في اتخاذ القرارات المصيرية.ج الواجباتهناك حزمة من الواجبات التي ينبغي أن يلتزم بها المواطن . تتمثل هذه الواجبات في احترام النظام، والتصدي للشائعات التي تساهم في زرع التفرقة وتأجيج الصراعات السياسية والاجتماعية والمذهبية، والإخلاص والدقة في أداء الأعمال الحكومية والمجتمعيةالتي تهدف لخدمة أفراد المجتمعثانيا : المواطنة الرقميةلقد أخذ مفهوم الوطن والمواطنة صوراً جديدة عندما دخلت الثورة الرقمية وشبكة الإنترنت والمجتمعات الافتراضية والانفجار المعرفي الإلكتروني على الخط . لقد أضحى لهذه الطفرات التقنية المتلاحقة بصمات على كل مناحي الحياة الحديثة، بل أصبحت معياراً للتصنيف حيث تصنف كل ظاهرة قبلها في خانة التقليدي والقديم، بينما تأخذ كل ظاهرة حدثت بعد ذلك دلالة الجديد والحديث . وعليه، مقارنة بتلك الصورة التي كانت توصف بها قبل الثورة الرقمية وانتشار ثقافة التواصل الاجتماعي وطغيان المجتمعات الافتراضية الجديدة بقيمها وتطبيقاتها وصورها وأدواتها وبيئة نشاطاتها المتنوعة . لقد نشأت الهوية الافتراضية، وظهر مصطلح المواطنة الرقمية، في تطور متسارع وإقبال محموم على الانتماء للمجتمعات الافتراضية الجديدة؛ مما يستدعي أن نعرض ظروف نشأة هذه المصطلحات، وخصائصها، وتداعياتها،٢-١ كيف نشأ المصطلحسمحت شبكة الإنترنت للناس بالتواصل مع بعضهم البعض، ومكنتهم من الحصول على المعلومات من الشبكة الممتدة إلى جميع أرجاء الأرض بوسائل بصرية وصوتية ونصية . وقد تم ذلك كله بصورة تتجاوز حدود الزمان والمكان والكلفة وقيود المسافات، وتتحدى في الوقت نفسه سيطرة الرقابة الرسمية . وإقامة المؤتمرات بالفيديو، وقوائم البريد، علاوة على العديد من مجموعات الأخبار، والملايين من الملفات المتاحة لنقلها واستخدامها . هذا بالإضافة إلى مواقع التواصل الاجتماعي الإلكترونية التي تنشأ من قبل أفراد وجماعات ومؤسسات. وتهدف إلى إقامة علاقات اجتماعية بين روادها .والاهتمامات والبحث عن الصداقات ومع التوسع الكبير في استخدام الشبكة العنكبوتية، وانتشار شبكات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر وواتس أب ويوتيوب أخذ مفهوم المجتمع شكلاً مختلفاً لا يلتزم بالمحددات والمعايير التقليدية، فيما أصبح يعرف بالمجتمعات الافتراضية أو الرقمية أو التخيلية - لقد نشأ وطن رقمي أو وطن افتراضي جديد على شبكات التواصل الاجتماعي، لا يعترف بالحدود، ولا يستند إلى أواصر عرقية أو قبلية أو سياسية أو دينية. ولكنه يقوم على الاهتمامات والقيم والمصالح المشتركة بين مواطنيه الذين يدخلون في علاقات وتفاعلات اجتماعية باستخدام تلك الوسائط الإلكترونية . وأصبح يطلق على من ينتمي إلى هذا الوطن الرقعي مصطلح المواطن الرقمي أو الإنسان الرقمي، في إشارة إلى استخدامه الشبكة الإنترنت وتطبيقاتها بشكل منتظم وفعال . لقد نشأ جيل جديد من الشباب يمكن أن يطلق عليه جيل الإنترنت، وأدرك قيمتها، ولديه قدر كبير من الإلمام بها وكيفية استخدامها والاستفادة من إمكانياتها، وتتمحور حياته كلها حول تقنية المعلومات والبحث عن اهتمامات وأنشطة لدى أشخاص آخرين - كما تحول الفرد في هذا الفضاء الرقمي في ممارسته للمواطنة من شكل المواطن العادي إلى شكل المواطن الرقمي، وتغير مفهوم المواطنة التقليدية إلى مفهوم المواطنة الرقمية.في هذا الشكل الجديد من أشكال التجمعات الاجتماعية المستندة على التقنيةالرقمية، يستخدم الأفراد هوية افتراضية رقمية تتمثل في مجموعة الصفات والرموز والبيانات التي يقدمون أنفسهم من خلالها للآخرين في المجتمعات الافتراضية، ويتفاعلون معهم عبرها . في هذا العالم الافتراضي الذي تتلاشى فيه حدود المكان وقيود الزمان وتتراجع فيه مفاهيم القرابة وصلات الدم والعمل والمصالح والتشابه والاختلاف، يتغلب الفرد على الخجل في الحياة الواقعية، ويصبح قادرا على خلق صورة إيجابية عن الذات. عندما يدخل . الفرد إلى المجتمع الافتراضي يتحول إلى شخص آخر بمواصفات وأسماء أخرى، كأنه يحاول التملص من شخصيته الحقيقية داخل هذا المجتمع، ويحاول أن يحملها ويُظهرها على غير ما في عليه . لقد أصبح العالم الافتراضي بمثابة الملاذ الواسع والأمن لكل من يريد الخروج من واقعه الاجتماعي أو الهروب من مجتمعه الواقعي، أو الإعفاء من الرسميات والالتزامات. الاجتماعية لقد كان من نتيجة ذلك أن حدث تحول في الهوية لدى بعض مرتادي المجتمعات الافتراضية نتيجة الغزو الثقافي أدى إلى تجردها من الخصوصية، ومن مركزية إحكام السلوك والأفعال . كما ظهرت مؤشرات أخرى تدل على تغير وتحول في الهوية يمكن إيجازأهمها فيما يلي:ا ضعف الولاء للوطن وقضاياه، وقلة الاهتمام بالمصير المشترك الذي يجمع بينمواطنيه.ب فك الارتباط بالرموز القومية والذاكرة المشتركة والهوية الثقافية، وضعف الانتماء الوطني، وتشتت الهوية، وعدم سيادة أحكام المكان التقليدية على رقعته، بعد أن تم سحق سمتي الزمان والمكان داخل هذه المجتمعات الافتراضية.ج فك الارتباط بالرموز الدينية والتاريخية، واختلال منظومة القيم الحاكمة. والتحرر من أي تبعية دينية أو اجتماعية أو قيمية، والتمرد على القواعد الأخلاقية والضوابط القانونية والمبادئ الأساسية التي تنظم شؤون الحياةالإنسانية داخل مجتمعاتهم.د تغير اللغة المستعملة في التواصل والإشارة والتحية والرموزونظرا للعلاقة الوثيقة بين مفهومي الهوية والمواطنة وارتباطهما بالثورة الرقمية، كان من الضروري تربية أفراد المجتمع الذين يربطهم وطن واحد على المواطنة الرقمية حتى يتمكنوا من التعامل الذكي والحذر مع التقنية الرقمية، ويمتلكوا مهارات التعامل الأمن مع وسائل التواصل في الفضاء الافتراضي - إنه من الضروري للمجتمعات المعاصرة على اختلاف هوياتها أن تهتم بموضوع المواطنة الرقمية باعتبارها حصيلة النشاطات الرقمية لمواطنيها، ليتمكنوا من الاستخدام الرشيد للتقنيات الرقمية بطريقة أمنة وخلفية وقانونية ليكونوا مواطنين رقميين صالحين، ويدركوا ما لهم من حقوق، وما عليهم من واجبات أثناءالتعامل مع معطيات هذا العصر الرقمي.۲-۲ مفهوم المواطنة الرقميةإذا كان مفهوم المواطنة التقليدية كمفهوم حديث نسبيا قد صاحب قيام الدولة القومية في أوروبا عبر تحولات تاريخية واجتماعية وسياسية متلاحقة، وأصبح جزءا من الفهم الشامل لصورة الدولة الحديثة التي تقوم على المواطنة وسيادة القانون فإن مفهوم المواطنة الرقمية Digital Citizenship قد صاحب ما أحدثته تقنية المعلومات من نقلة واسعة في الوسط البيئي التفاعلي بين الإنسان والحاسب والشبكات . لقد أصبح المجتمع الافتراضي حالياً يمثل أكبر شبكة مجتمعية عبر تاريخ البشرية، هذا المجتمع تتنوع تركيبته من الأفراد والمؤسسات والحكومات، وهو في نمو دائم وتزايد مستمر في كل ثانية تتحرك فيها عقارب الساعة.لقد استخدم مفهوم المواطنة في بادئ الأمر في صورته التقليدية ليشير إلى غرس المشاعر التي ترتبط بحب الوطن والانتماء إليه، وصياغة قواعد السلوك التي تعزز الحقوق والواجبات . والآن وبعد أن ساهمت ثورة المعلومات في تغيير بعض المفاهيم التقليدية للمجتمع الذي تحول معناه من مجموعة أفراد يعيشون في منطقة جغرافية محددة ولهم تاريخ وثقافة مشتركة، إلى مجتمع افتراضي لا تفصل حدود مادية بين أفراده، وله ثقافته وآلياته التي تختلف في جوانب عديدة عن المجتمع الواقعي، لقد أصبح البعد الرقمي حجر الزاوية لدى مواطني المجتمعات الافتراضية، وهو ما يتطلب إعدادهم ليكونوا مواطنين رقميين صالحين قادرين على الانخراط في التطبيقات التقنية والمشاركة الفاعلة في المجتمعات الافتراضية بوعي بإيجابياتها وإدراك السلبياتها . إن مفهوم المواطنة الرقمية يعني ببساطة القدرة على التفاعل الإيجابي والذكي والأمن مع باقي أعضاء المجتمع الافتراضي الرقمي.ومن هذا المنطلق، اتفقت آراء المتخصصين على تعريف المواطنة الرقمية بأنها الالتزام بحزمة من الضوابط والمعايير والأعراف والأفكار والمبادئ المعتمدة في الاستخدام الأمثل والرشيد والذكي للتقنيات الرقمية المتعددة من أجل المساهمة في رقي الوطن الرقمي . وتتمثل هذه القواعد في مجموعة الحقوق التي ينبغي أن يتمتع بها المواطنون الرقميون أثناء استخدامهم للتقنيات الرقمية، وحزمة الواجبات التي ينبغي عليهم أن يلتزموا بها، إنها باختصار عملية توجيه وحماية أو تحفيز ووقاية . توجيه نحو منافع التقنيات الرقمية الحديثة، وتحفيز للاستفادة المثلى من إيجابياتها مثل استخدامها بشكل منتظم وفعال وأمن في التبادل الإلكتروني للمعلومات. والمشاركة الإلكترونية الكاملة في المجتمع، وشراء وبيع البضائع عن طريق الإنترنت، وغير ذلك من الأنشطة والفعاليات الرقمية - وهي كذلك حماية من أخطارها ووقاية من سلبياتها على أنه ينبغي ألا يفهم من معنى المواطنة الرقمية، أو فرض الرقابة على تصرفايم بما يتنافى مع قيم الحرية والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان الرقمي. فالمواطنة الرقمية إنما تهدف إلى إيجاد الطريق الصحيح لتوجيه وحماية جميع المستخدمين وخصوصا الأطفال والمراهقين، وذلك بتشجيع السلوكيات المرغوبة ومحاربة السلوكيات المنبوذة في التعاملات الرقمية من أجل مواطن رقمي يحب وطنه ويجتهد من أجل تقدمه.٢-٢ مبررات الاهتمام بالمواطنة الرقميةنظرا لتداعيات الاستخدام غير الرشيد للمواطنة الرقمية، فقد بات نشر ثقافة المواطنة الرقمية في المدرسة والجامعة والعمل والبيت والمجتمع ضرورة ملحة - إن الإنسان الذي يعد ركيزة جوهرية لإرساء أركان المجتمع، لن يكون عنصرا فاعلا في مجتمع المعرفة الرقمي ما لم يمتلك مستوى محدداً من المهارات التي تمنحه فرصة ممارسة واجبات المواطن الرقمي الصالح وفق معايير قياسية يتبناها نظام المجتمعات الافتراضية - لذلك يمكن إيجاز أهم المبررات التي تدعو إلى الاهتمام بالمواطنة الرقمية والتربية على ثقافتها واكتساب مهارات ممارستها في النقاط التالية:النمو المتزايد في عدد مستخدمي الإنترنت والذي وصل إلى 3.7 مليار شخص في يناير 2017م، أي أن نصف البشرية تقريبا يتواجد على الإنترنت - ومن المتوقع أن يصل عدد المشتركين إلى 43 مليار بحلول عام 2018م وفقا لتوقعات الاتحاد الدولي للاتصالات. ومن الملاحظ في الأونة الأخيرة، أن اهتمام المجتمع السعودي قد تنامي بشكل ملفت بوسائل التواصل الاجتماعي، وتزايد تأثيرها في الحياة اليومية لأفراده . كما شهدت تطبيقات وبرامج وسائل التواصل الاجتماعي تزايد عدد مستخدميها في المملكة ليصل عددهم إلى 183 مليون مستخدم في عام 2017م بما يعادل 58% من تعداد سكان المملكة 90% منهم من الشباب - إن هذا يتطلب بذل أقصى جيد للمساهمة في نوعية المجتمع بالأمور اللازمة للتعامل الحذر والذكي مع هذه التقنيات للاستفادة من إيجابياتها، وتفادي الجوانب السلبية في استخداماتها 2-الاهتمام العالمي بموضوع المواطنة الرقمية، والسعي الدءوب لنشر ثقافتها في أوساط الناشئة والكبار على حد سواء . لقد أقرت دول كبرى مثل بريطانيا وأمريكا وكندا واستراليا وفرنسا تدريس مواد تتعلق بالمواطنة الرقمية للطلاب، مع تدريب الآباء والمعلمين عليها وفق خطة وطنية متكاملة لجعل موضوع المواطنة الرقمية قضية وطنية كبرى . في هذه المجتمعات، تمثل التقنيات الرقمية جوهر التحول الحكومي في هذا العصر، وهو ما يتطلب إعداد المجتمع وتأهيله للتعامل مع الممارسات الإلكترونية بنشر ثقافة التعامل الإلكتروني الأمن بين مختلف المراحل العمرية في المجتمع من خلال توفير مرجع متكامل للقضايا الإلكترونية الشائعة وفق قيم المجتمع وحاجاته.3-تعظيم الاستفادة المثلى من التقنيات الرقمية في تحسين نمط الحياة، وتفادي الممارسات الخاطئة في هذا المجال . لقد تم رصد العديد من المشكلات التي تتنافى مع قيم المواطنة الرقمية مثل عدم استخدام التقنية في مسارها الصحيح، أو ارتباط الاستخدام بالعادات السلبية، أو ظهور الجرائم المعلوماتية والاختراق والقرصنة أو المناقشات الإلكترونية غير الأخلاقية، أو انخفاض مستوى الأمان الإلكتروني، أو انتشار الدعوات الهدامة والأخبار المضللة على الوسائل التقنية، أو الافتقاد إلى ثقافة مرجعية في استخدام التقنية الرقمية أو الإفراط في استخدامها فيما لا طائل من ورائه . إن التربية على المواطنة الرقمية ونشر ثقافتها في المجتمع،4-تحول الحياة اليومية المعاصرة وبشكل متزايد إلى حياة رقمية في مدن ذكية تستخدم فيها تقنيات المعلومات والاتصالات بكثافة في كافة الأنشطة الاجتماعية والتعليمية والثقافية والاقتصادية . إن ذلك يفرض على المواطنين تعلم وممارسة الأساليب التقنية المتقدمة، والوعي بمفاهيم الأمن والسلامة الإلكترونية، وإدراك جوانب الثقافة وأداب التعامل الرشيد مع التقنيات الرقمية . إن التربية على المواطنة الرقمية تحمي من التخريب الرقمي ومن الأضرار الصحية والاقتصادية والاجتماعية وتحافظ على أسرارنا ومعطياتنا، وتكسبنا لياقة التعامل بفاعلية مع هذه التقنيات الحديثة التي لم يعد التعامل معها وسيلة للتسلية والترفيه، بل أصبح نمط حياة في واقعنا الجديد.٢-٤ جوانب المواطنة الرقميةلم تعد المواطنة الرقمية مجرد مفهوم نظري، بل أصبحت سلوكاً قويماً يتميز به المواطن الرقمي ويستخدمه ويمارسه بصورة طوعية تلقائية في كل أطوار وظروف حياته . وتنبع أهمية التربية على المواطنة الرقمية من خلال إدراك مدى التحدي التقني الذي نعيشه اليوم، وحجم الفروق التربوية والثقافية بين المجتمعات المنتجة للتقنية والمجتمعات المستخدمة والمستهلكة لها، وضرورة ضبط عملية الانفتاح الثقافي التي توفرها التقنية المواجهة الغزو القيمي والحضاري والحاجة إلى وضع ميثاق أخلاقي للتعامل مع تداعياتها.من أجل ذلك تتعدد جوانب التربية على المواطنة الرقمية - كما هو مبين في الشكل (۳۰۳) لتشمل الجانب المعرفي والمهاري والسلوكي على النحو التالي:أ- الجانب المعرفي يشير الجانب المعرفي إلى الدور التثقيفي للمؤسسات الفاعلة في المجتمع وخاصة التعليمية في تعريف مستخدمي التقنيات الرقمية بخلفياتها العلمية وتزويدهم بالمعارف اللازمة عنها وإتاحة كافة البيانات والمعلومات والمعارف المتعلقة بها . كما يتضمن أيضا صياغة ميثاق أخلاقي معرفي للمواطنة الرقمية ونشره في المجتمع وتوعية الأفراد بمقتضاه.بين الجانب المهاري يهتم الجانب المهاري بإكساب الأفراد المهارات اللازمة لاستخدام التقنيات الرقمية باحتراف ووعي دون عوائق نفسية أو تقنية أو إدارية - هذا بالإضافة إلى تدريبهم على مفهوم التعايش مع هذه التقنيات وتطوير مهاراتهم بصورة مستمرة، واستخدامها في إنجاز أعمالهم بكفاءة والارتقاء التنافسي بمؤسساتهم، وتوظيف التقنية في قضاء خدماتهم وتحسين نمط حياتهم.ج الجانب السلوكييشير الجانب السلوكي إلى ترسيخ الأخلاقيات والقيم التابعة من ديننا ومبادئنا أثناء التعامل مع التقنيات الرقمية لتتحول إلى سلوكيات عملية تلقائية - هذا بالإضافة إلى الالتزام بقيم وأخلاقيات وعادات المجتمع الرقمي، إذ أن لكل مجتمع أعرافه وقيمه وعاداته وتقاليده . إن الجانب السلوكي للمواطن الرقمي يتمثل في النهاية في الاستخدام السليم والفعال والأمن والذكي للتقنيات الرقمية خاصة أثناء التواصل مع الآخرين في المجتمعات الافتراضية.٢-٥ مراحل التربية على المواطنة الرقميةيهتم المجتمعات المعاصرة بنشر ثقافة المواطنة الرقمية بين مواطنيها، وتحويلها إلى برامج ومشاريع في المدارس والجامعات . كما تظهر هذه الثقافة في صورة مبادرات تقدمها مؤسسات المجتمع المدني والجهات الإعلامية من أجل تعزيز حماية مجتمعاتها من الآثار السلبية المتزايدة للتقنيات الرقمية، وتعظيم الاستفادة المثلى منها للمساهمة في تنمية مجتمع المعرفة وبناء الاقتصاد الرقمي الوطني . ونظرا لأن المواطنة الرقمية هي ثقافة استخدام ونمط سلوك بالدرجة الأولى، فإنها تحتاج إلى أن تتم التربية عليها والإلحاح على ترسيخ أساليب ممارستها لفترات زمنية طويلة نسبيا - إنها عملية إعداد وتكوين مواطن رقعي فعال يمتلك مهارات استخدام التقنيات الرقمية بشكل ذكي وإيجابي، إلى جانب اكتسابه ملكات التفكير الناقد للمحتوى الرقمي الذي يتعرض له في المجتمعات الافتراضية - هذا بالإضافة إلى ضرورة اكتسابه مهارات اجتماعية وسلوكيات أخلاقية أثناء تفاعله مع الآخرين على الشبكات الافتراضية من خلال تحصينه بنسيج أخلاقي متين يحميه من أخطار هذه التقنية إن تنمية المواطنة الرقمية لدى أفراد المجتمع وخاصة الشباب منهم، وتربيتهم على ثقافتها وأدبياتها، تحتاج إلى جهود متواصلة وبرامج مكثفة ووعي من مؤسسات الدولة وخاصة التعليمية، حتى يجيد المواطنون الرقميون التعامل مع الحاسب والإنترنت، ويمتلكون مهارات التواصل مع الآخرين بحذر، ويتحصنون ضد عمليات غسيل الدماغ، ويأمنون من الأفكار الهدامة . ولذلك تتعدد مراحل تنمية المواطنة الرقمية والتربية عليها كما هو مبين بالشكل (٤٠٣) لتشمل ما يلي:أ- مرحلة الوعي في مرحلة الوعي Awareness. يتم التعريف بالعالم الرقمي ومكوناته، ولا يتوقف التثقيف عند حدود إعطاء المعلومات والمعارف الأساسية حول المكونات المادية والبرمجية، بل يمتد ليشمل التعرف على الاستخدام السين وغير المناسب لتلك المكونات أيضا، وتعلم الاستخدام الأمثل للتقنيات الرقمية الحديثة.إن مرحلة الوعي ينبغي أن تستهدف إكساب المتدربين الفهم الجيد لطرق عمل التقنيات الرقمية الحديثة واستخداماتها، ومدى تأثيرها على الفرد نفسه وعلى الآخرين . هذا بالإضافة إلى الوعي باستخدام التقنيات الرقمية والمشكلات المرتبطه بها.ب مرحلة الممارسة الموجهة في مرحلة الممارسة الموجهة Guided practice ، ينبغي أن يمارس الأفراد استخدام التقنية تحت إشراف توجيهي في مناخ يشجع على المخاطرة والاكتشاف . إن هذه المرحلة تستهدف اكتساب المهارة الفعلية تحت التوجيه والإشراف المباشر ليدرك المتدرب بنفسه السلوكيات المرغوبة وغير المرغوبة في الممارسة الحقيقيةويجيد التصرف في كل حالج- مرحلة النمذجة وإعطاء المثل وتقديم القدوة .