إلا أن الغالب أن الاجتهاد إذا أطلق يراد به الاجتهاد في الأشياء والوقائع والتصرفات التي لم ينص عليها الشارع. ومن أهم القضايا الاجتهادية الداخلة في هذا المعنى الاجتهاد في تحقيق المناطات ومراعاة المقاصد والمآلات والنظر في ملابسات التطبيق والتنزيل، لأن مشروعيته والحث عليه وذكر فضله كل ذلك جاء صريحا في عدد من نصوص الكتاب والسنة. قال الشافعي جوابا على هذا السؤال: "إن الله جل ثناؤه من على العباد بعقول، قال: فمثل من ذلك شيئا؟ وخلق لهم سماء وأرضا وشمساً وقمرا ونجوماً وبحاراً وجبالاً ورياحاً، فقال: وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر} [الأنعام 97]، فأخبر أنهم يهتدون بالنجم والعلامات. وكان عليهم تكلف الدلالات بما خلق لهم من العقول التي ركبها فيهم. قلب جواب الإمام يكمن في استعمال "العقول والدلالات". ومن الدلالات ما تقتضيه دلالة القياس. فالاجهتاد إنما يكون بالقياس. ولذلك جعل القياس هو الجواب العملي عن سؤال "كيف الاجتهاد؟". قال: فما القياس؟ أهو الاجتهاد ؟ أم هما مفترقان؟ قلت: هما اسمان لمعنى واحد. قال: فما جماعهما ؟ قلت: كل ما نزل بمسلم ففيه حكم لازم أو على سبيل الحق فيه دلالة موجودة . حتى أصبح الاجتهاد صناعة علمية لها أهلها وشروطها وعدتها المنهجية. ابن رشد الحفيد تمثيلا بارعا بقوله: فإن هذا الكتاب إنما وضعناه ليبلغ به المجتهد في هذه الصناعة رتبة الاجتهاد، إذا حصل ما يجب له أن يحصل قبله من القدر الكافي له في علم النحو واللغة، ولو بلغت في العدد أقصى ما يمكن أن يحفظه إنسان، كما نجد متفقهة زماننا يظنون أن الأفقه هو الذي حفظ مسائل أكثر. وهؤلاء عرض لهم شبيه ما يعرض لمن ظن أن الخفاف هو الذي عنده خفاف كثيرة لا الذي يقدر على عملها، وهو بين أن الذي عنده خفاف كثيرة سيأتيه إنسان بقدم لا يجد في خفافه ما يصلح لقدمه، فعلم أصول الفقه هو الأداة - أو الصناعة - المنهجية التي وضعت لتمكين العلماء والنظار من الاجتهاد في الدين واستخراج مكنوناته ولضمان استقامة الاجتهاد وسيره على الطريق السوي.