يذكر الرماني طرقاً ثلاثة للإيجاز : الأول : أن يكون سبيلك إلى المعنى أقصر الطرق إليه ، ويكون بعض هذه الطرق أقصر بياناً وأيسر سبيلا ، فيصل إلى لب المعنى من أقصر طريق ، وهذا إنما يكون للذهن الثاقب الذي يحيط بالجوانب إحاطة كاشفة ، وهناك بين المتكلمين من يقصر ذهنه ، فتفرق به السبل إليها ويلتات عليه أيسرها ، فتراه يمد حبل الكلام مداً يجتذب به المعنى ويدنيه ، والإدراك الصحيح هو الذي ييسر الطريق إلى المعنى ، وكأن المعانى حين تشرق في القلوب تضيء طريقها ، فالكلام يتطاول حين تتقاصر الأفهام ويتقاصر حين تتمكن ، وقد أشار الرماني إلى هذا القسم بقوله : والإيجاز على ثلاثة أوجه ، الإيجاز بسلوك الطريقة الأقرب دون الأبعد ، فقد جرى الناس على التوطئة والتمهيد لكثير من المعاني التي يحرصوا على تهيئة النفوس لها ، ثم إن الكلام قد تتخلله معان جانبية يحتاج إليها المعنى الأصلى ، والإيجاز هو الاقتصار من هذه المغاني على قدر الحاجة ثم هي خطر على الكلام يفقده التركيز والتجانس ، ولابد أن يكون الكلام دائماً متجهاً إلى المعنى الأساسي ، وهذا القسم من الإيجاز قسم حذر لأن المقدمات التي تهيىء النفوس لقبول المعنى قد يكون بعضها كالأغراض فيفسد الكلام بحذفه ، فلا مناص للمتكلم من أن يكون ذا بصر بما هو ضروري فيحفظه ، وبما يمكن أن يقوم الكلام بدونه فيحذفه . وكالصفات لما يعترض الكلام مما ليس عليه الاعتماد » أراد الإفاضة في بيان المعاني المعترضة وصفاتها . الثالث من وجوه الإيجاز : إظهار الفائدة بما يستحسن دون ما يستقبح ، لأن المستقبح ثقيل على النفس ) . وهذا ضرب من الإيجاز لا يتعلق بالألفاظ قلة وكثرة ، وإنما يتعلق بموقع الكلام في النفس ، وإحساسها به خفة وثقلا ، الأساليب المتعثرة المستكرهة ليست من الإيجاز وإن قلت ألفاظها ، وليس هذا الوجه الذي لا يلتفت إلى كم الألفاظ خارجاً عن الإيجاز الذي هو الاقتصاد في استعمال الكلمات ، لأن حسن الأسلوب وخفته على النفس لا يتوفر له إلا إذا كان نقياً من الأخلاط غير مترهل ولا ممدود . وهذا الوجه ناظر إلى الإيجاز اللغوى لأن الملاحة والعذوبة صفات يخف بها الكلام إلى القلوب ، والإيجاز مأخوذ من الوجز بفتح الأول وضم الثاني أو سكونه ، وهو السريع الحركة والسريع العطاء والخفيف الكلام . والرماني ذكر الإيجاز بابا من أبواب البلاغة ، ولم يقرنه بالإطناب كما يفعل المتأخرون حين يذكرون معهما المساواة ، ويقسمون الكلام هذه القسمة العقلية ، ويجعلون المساواة في المنزلة بين المنزلتين . وقد جرى ذكر الإطناب في دراسة الرماني استطراداً حين ذكر الفرق بين وذكر الفرق بين الإطناب والتطويل ، وتفصيل ما كان منه مجملا ، فقد يكون الكلام في نهاية الطول ، وهو مع ذلك في نهاية الإيجاز ، وذلك كما في المعاني القرآنية وهي رحبة دائماً ، وخاصة ما كان منها موصولاً بأوصاف ذي الجلال سبحانه والثناء عليه وتنزيهه وتسبيحه ولم يشرح الرماني الإعجاز فى هذا الباب ، ودعك من القول بأن آية القصاص أفضل من أفضل كلامهم في هذا المعنى ، لأن ذلك لا يضع اليد على شيء والدراسة كما نرى دراسة بلاغية ، لأنه يعنى دراسة ما جاء على الإيجاز في سائر كلام أهل الطبع الذين نزل فيهم القرآن ثم تأمل سائر ما جاء منه في القرآن ، وهذا باب واسع جداً وملىء بالغوامض ، ودراسته عند شاعر واحد غاية لا تقاربها إلا بطول الكد والمواصلة فلكل شاعر طريقته فى حذف الكلمة والجملة وما هو فوق الجملة وكيف يصير المذكور على حال يرشد إليه المحذوف ؟ وكيف يدير الكلمات إدارة ينبيء فيها - أحيانا - الحرف الواحد عما انطوى ؟ وكيف يعقد أطراف المعاني عقداً يضم نشرها ؟ ويوحى بأبعاد رحبة وراءها ، وهذا تابع لطبائع المعاني ، ولا تنتهى عجائبه ،