لأنه لو كان أتاهم بكل شيء ولم يأتهم بُمعارَضة السحر حتى يفصل بين الحُجة والِحيلة لكانت نفوسهم إلى ذلك مُتطلِّعة ولَاعتلَّ به أصحاب الأشغال ولَشَغَلُوا به بال الضعيف، وكذلك زمن عيسى عليه السلام كان الأغلب على أهله وعلى خاصَّة علمائه الطب، وكانت عوامُّهم تُعظِّمهم على خواصِّهم، كان أَبخَعَ للعامَّة وأَجدَر ألَّا يُبقي في أنفسهم بقيَّة. وكذلك دهر محمد ﷺ كان أغلب الأمور عليهم وأحسنها عندهم وأجلَّها في صدورهم حُسن البيان ونظم ضروب الكلام مع علمهم له وانفرادهم به، بعثه الله عز وجل فتحدَّاهم بما كانوا لا يَشكُّون أنهم يَقدِرون على أَكثرَ منه، فلم يَزَل يقرعهم بعجزهم وينقصهم على نقصهم حتى تَبيَّن ذلك لضعفائهم وعوامِّهم، كما تبيَّن لأقويائهم وخواصِّهم، وكان ذلك من أعجب ما آتاه الله نبيًّا قط، مع سائر ما جاء به من الآيات ومن ضروب البرهانات. ولكل شيءٍ باب ومأتى واختصار وتقريب، فمن أحكم الحكمة إرسال كل نبي بما يُفحم أعجب الأمور عندهم ويُبطل أقوى الأشياء في ظنهم.