وإذا ترددت الكلمةُ بين أَصْلين في الاشتقاق طلب الترجيح وله وجوه: الثاني - كون أحد الأصلين أشرفلأنه أحق بالوضْع له والنفوس أذكر له وأقبل كدَوَران كلمة (الله) - فيمن اشتقها - بين الاشتِقاق من (أَلِه) أو (لوه) أو (وَلِه) فيقال: من أله أشرف وأقرب. الثالث - كونه أظهر وأوضح كالإق بال والقبل. الخامس - كونه أسهل وأحسن تصرفاكاشتقاق المعارضة من العرض بمعنى الظهور أو من العُرْض وهو الناحية فمن الظهور أولى. السابع - كونه أليقكالهداية بمعنى الدلالة لا بمعني التقدم من الهوداي بمعنى المتقدمات. التاسع - كونه جوهرا والآخر عرَضاً لا يصلح للمصدرية ولا شأنه أن يشتق منهفإن الرد إلى الجوهر حينئذ أولى لأنه الأسبقفإن كان مصدرا تعين الردُّ إليه الثانية - قال في شرح التسهيل أيضا: التصريفُ أعم من الاشتقاقلأن بناء مثل قردد من الضرب يسمى تصريفاولا يسمى اشتقاقالأنه خاصٌّ بما بنَتْه العرَب. الثالثة - أَفْرَد الاشتقاق بالتأليف جماعةٌ من المتقدمين منهم الأصمعي وقُطْرب وأبو الحسن الأخفش وأبو نصر الباهلي والمفضل بن سلمة والمبرد وابن دُريد والزَّجاج وابن السراج والروماني والنحاس وابن خالويه. الرابعة - قال الجواليقي في (المعرب) قال ابن السراج في رسالته في الاشتقاق: مما ينبغي أن يُحْذَر كل الحذَر أن يشتق من لغة العرب لشيء من لغة العَجَمِ قال: فيكونُ بمنزلةِ مَن ادَّعى أن الطيرَ وَلَد الحوت. الخامسة - في مثال من الاشتقاق الأكبر: مما ذكره الزجاج في كتابه قال: قولهُم: شجَرتُ فلانا بالرمح تأويله جعلته فيه كالغُصْن في الشجرة وقولهم: للحلقوم وما يتصل به شجرلأنه مع ما يتصل به كأغصان الشجرة وتشاجر القوم إنما تأويلُه اختلفوا كاختلاف أغصان الشجرة وكل ما تفرع من هذا الباب فأصله الشجرة. قال أبو نصر صاحب الأصمعي: معنى قوله: (قد شجرها) أي رفع رأسها إلى فوق. والمرعى يقال له الشجر لاختلاف نَبته وشجر الأمر إذا اختلط وشجَرني عن الأمر كذا وكذا معناه صرفنيوتأويله أنه اختلَف رأيي كاختلاف الشجر والباب واحد وكذلك شجر بينهم فلان أي اختلف بينهم وقد شجر بينهم أمرأي وقع بينهم. فائدة - قال ابن فارس في المجمل: اشتَبه علي اشتقاقُ قولهم: (لا أبالي به) غاية الاشتباه غيرَ أني قرأت في شعر ليلى الأخيلية: // من الطويل // وقالوا في تفسير التبالي: المبادرة بالاستقاءيق ال تبالى القوم: إذا تبادروا الماء فاستقوهوذلك عند قلة الماء قال بعضهم تبالى القوم. وذلك إذا قل الماء ونزح استقى هذا شيئاوينتظر الآخر حتى يجم الماء فيسقي فإن كانَ هذا هكذا فلعل قولهم لا أبالي به: أي لا أبادر إلى اقتنائه والانتظار به بل أنبذه ولا أعتد به. فائدة - قال ابن دريد: قال أبو عثمان: سمعتُ الأخفش يقول: اشتقاقُ الدُّكان من الدَّكْدَك وهي أرضٌ فيها غلظ وانبساط ومنه اشتقاق ناقة دَكَّاء إذا كانت مفترشة السَّنام في ظهرها أو مجْبُوبَته. لطيفة - قال أبو عبد الله محمد بن المعلى الأزدي في كتاب الترقيص: حدثني هارون بن زكريا عن البلعي عن أبي حاتم قال: سألت الأصمعي لِمَ سُمِّيت مِنًى منى: قال: لا أدْري. فلقيت أبا عبيدة فسألته فقال: لم أكن مع آدم حين علمه الله الأسماءفأسأله عن اشتقاق الأسماءفأتيت أبا زيد فسألته. فقال: سمِّيت منى لما يُمْنى فيها من الدماء. وقال ابن خالويه في شرح الدريدية: سمعتُ ابنَ دريد يقول: سألت أبا حاتم عن (ثادق) اسم فرسمن أي شيء اشتقفقال: لا أدري. فائدة - قال حمزة بن الحسن الأصبهاني في كتاب (الموازنة) : كان الزَّجَّاج يزعُم أن كل لفظتين اتفقتا ببعض الحروف وإن نَقَصت حروفُ إحداهما عن حروف الأخرى فإن إحداهما مشتقةٌ من الأخرى فتقول: الرحل مشتق من الرحيل والثور إنما سُمّي ثورا لأنه يُثير الأرض والثوب إنما سُمِّي ثوبا لأنه ثاب لباسا بعد أن كان غزلاحسيبه اللهكذا قال. قال: وحكى يحيى بن علي بن يحيى المنجم أنه سأله بحَضْرة عبد الله بن أحمد بن حمدون النديم: من أي شيء اشتق الجرجيرفقال: لأن الريح تجرجره. قال: ومن هذا قيل للحبل الجريرلأنه يجر على الأرض. قال: والجرة لِمَ سميت جرة قال: لأنها تجر على الأرض. قال: فإن جروا أذنه فقطعوها تسميه مجراقال: لا يجوز ذلكفقال يحيى بن علي: قد نَقَضْتُ العلة التي أتيتَ بها على نفسك ومن لم يدر أن هذا مناقضة فلا حس له.