مأساة النرجس ملهاة الفضة \ محمود درويش عادوا. وعادوا من بعد، أيديهم ولا راياتهم للمعجزات إذا أرادوا ويُرتِّبوا هذا الهواء ويرقِّصوا جسداً توارى في الرخام وغيماً سال من ريش الحمام. عادوا على أطراف هاجسهم إلى جغرافيا السحر الإلهي والى بساط الموز في أرض التضاريس القديمة. لم يذهبوا أبداً ولم يصلوا؛ لأن قلوبهم حبات لوز في الشوارع. وكان البحر ينساهم. وكانوا يعرفون شمالهم وجنوبهم، ويطيِّرون حمائم الذكرى إلى أبراجها الأولى، ويصطادون من شهدائهم نجماً يسيّرهم إلى وحش الطفولة. وكانوا يرحلون إلى الهواجس: ماذا صنعنا بالقرنفل كي نكون بعيدهُ؟ ماذا صنعنا بالنوارس لنكون سكان المرافئ والملوحة في هواء يابس: مستقبلين مودِّعين؟ ولأنهم لا يعرفون من الحياة سوى الحياة كما تقدمها الحياة لم يسألوا عما وراء مصيرهم وقبورهم. هذي الجحيم هي الجحيم. تعوَّدوا أن يزرعوا النعناع في قمصانهم وتعلَّموا أن يزرعوا اللبلاب حول خيامهم؛ أتذكرون؟ أيام غربتنا هناك؟ ويرقصون على الحقائب ساخرين من سيرة المنفى البعيد ومن بلاد سوف يهجرها الحنين هل تذكرون سقوط صور والموت الكبير في نهر دجلة عندما فاض الرماد على المدينة والعصور؟ فابحث عن بنينْ. نزرع حنطة في كل منحدر لأن القمح أكبر من حدود الإمبراطورية الحمقاء في كل العصور. سوف نعلِّم الأعداء تربية الحمام إذا استطعنا أن نعلمهم. وسوف ننام بعد الظهر تحت عريشة العنب الظليلة، حولنا قطط تنام على رذاذ الضوء. ديك لا ينام لأن في الدنيا دجاجات. كم تعبنا. تمهَّل! ببداية لم تكتمل تمهَّل!