يعرض لفقد محبوب أو فوات مطلوب. وسببه الحرص على القنيات الجسمانية، والشره إلى الشهوات البدنية، والحسرة على ما يفقده أو يفوته منها. وإنما يحزن ويجزع على فقد محبوباته وفوات مطلوباته من يظن أن ما يحصل له من محبوبات الدنيا يجوز أن يبقى ويثبت عنده، أو أن جميع ما يطلبه من مفقوداتها لا بد أن يحصل له ويصير في ملكه، فإذا أنصف نفسه وعلم أن جميع ما في عالم الكون والفساد غير ثابت ولا باق، وإنما الثابت الباقي هو ما يكون في عالم العقل، وإذا لم يطمع فيه لم يحزن لفقده ما يهواه، وصرف سعيه إلى المطلوبات الضاافية، واقتصر همته على طلب المحبوبات الباقية، وأعرض عما ليس في طبعه أن يثبت ويبقى، بادر إلى وضعه في موضعه، وأخذ منه مقدار الحاجة إلى دفع الآلام التي أحصيناها، ولم يحدث نفسه بالمكاثرة بها والتمني لها. فإن من فعل ذلك أمن، ومن لم يقبل هذه الوصية ولم يعالج نفسه بهذا العلاج، لم يزل في جزع دائم وحزن غير منتقص. وذلك أنه لا يعدم في كل حال فوت مطلوب أو فقد محبوب، ومن طمع من الكائن الفاسد ألا يكون ولا يفسد، ولم يحزن لشيء يفقده، فلينظر إلى استشعارات الناس في مطالبهم ومعايشهم واختلافهم فيها، فإنه سيرى رؤية بينة ظاهرة فرح المتعيشين بمعايشهم، وسرور أصحاب الحرف المختلفة بمذاهبهم على تباينها. وليتصفح ذلك في طبقة طبقة من طبقات الدهماء، فإنه لا يخفى عليه فرح التاجر بتجارته، وليس ذلك إلا لقوة استشعار كل طائفة بحسن مذهبها، ولزومها إياه بالعادة الطويلة. وإذا لزم طالب الفضيلة مذهبه وقوي استشعاره، كان أولى بالسرور من هذه الطبقات الذين يخبطون في جهالاتهم، وكان أحظاهم بالنعيم المقيم؛ وهو ولي الله - عز وجل -، وقد قال الله - عز من قائل -: (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)، وقال الكندي في "كتاب دفع الأحزان": "مما يدلك دلالة واضحة أن الحزن شيء يجلبه الإنسان، ثم نظر في حزنه ذلك نظراً حكيماً، وعرف أن أسباب حزنه هي أسباب غير ضرورية، علم علماً لا ريب فيه أن الحزن ليس بضروري ولا طبيعي. وأن من حزن من الناس وجلب لنفسه هذا العارض، فهو لا محالة سيسلو ويعود إلى حاله الطبيعي؛ فقد شاهدنا قوماً فقدوا من الأولاد والأعزة والأصدقاء ما اشتد حزنهم عليه، ثم لم يلبثوا أن يعودوا إلى حالة المسرة والضحك والغبطة، ويصيرون إلى حال من لم يحزن قط. ولذلك نشاهد من يفقد المال والضياع وجميع ما يقتنيه الإنسان، فإنه لا محالة يتسلى ويزول حزنه ويعاود أنسه واغتباطه. فالعاقل إذا نظر إلى أحوال الناس في الحزن وأسبابه، علم أنَّ ليس يختص من بينهم بمصيبة غريبة، وأن الحزن هو مرض عارض يجري مجرى سائر الردادات، فلم يضع لنفسه عارضاً رديئاً، وينبغي أن نتذكر ما قدمنا ذكره من حال من يُحيّا بتحية على أن يشمها ويتمتع بها ثم، يردها ليشمها غيره ويتمتع بها سواه فأطمعته نفسه فيها، وهذه حالة الحسود لأنه يحب أن يسيد بالخيرات من غير مشاركة الناس. لذلك قالت الحكماء: من أحب أن ينال الشر أعداءه، وشر من هذا من أحب الشر لمن ليس له بعدو. وأسوأ من هذا حالاً من أحب أن لا ينال أصدقاءه خير. ومن أحب أن يحرم صديقه الخير، ويجب له من هذه الردادات الحزن على ما يتناوله الناس من الخيرات، ولا سيئة علينا ولا عار إذا رددنا الودائع، وإنما العار والسيئة أن نحزن إذا ارتجعت منا. وهو مع ذلك كفر للنعمة لأن أقل ما يجب من الشكر للمنعم أن نرد عليه عاريته، ونسرع إلى إجابته إذا استردها، قال: "وأعني بالأفضل ما لا تصل إليه يد، أعني النفس والعقل والفضائل الموهوبة لنا هبه لا تسترد، ويقول: إن كان ارتجع الأقل الأخس كما اقتضاه العدل، فقد أبقى الأكثر الأفضل، وأنه لو كان واجباً أن نحزن في الأشياء الضارة المؤلمة، إذ كان فقدها سبباً للأحزان. وقد حُكي عن سقراط أنه سُئل عن سبب نشاطه وقلة حزنه فقال: لأنني لا أقتني ما إذا فقدته حزنت عليه. وإذ قد ذكرنا أجناس الأمراض الغالبة التي تخص النفس، الساعي لها فيما يخلصها من آلامها وينجيها من مهالكها أن يتصفح الأمراض التي تحت هذه الأجناس من أنواعها وأشخاصها، ويعالجها بمقابلاتها من العلاجات الراغبة إلى الله - عز وجل - بعد ذلك في التوفيق؛ فإن التوفيق مقرون بالاجتهاد،