لذا اقتضت رحمته بعباده أن يتفضل عليهم بإرسال الرسل والأنبياء إليهم لهدايتهم ودلالتهم على خالقهم وتعريفيهم بكيفية عبادته؛ أ‌) النبوة قي اللغة: فالنبأ هو الخبر، وذكر سيبوية: أن الهمز في النَّبِيء لغة رديئة لا لأن القياس يمنعها ولكن لقلة استعمالها، 2- أو مشتقة من النَبْوَةُ والنَبَاوَةُ: وهو " ما ارتفع من الأرض. أي أنه شُرِّفَ على سائر الخلق فأصله غير الهمز، وتصغيره نُبَىُّ، والجمع أنْبِيَاءُ" . 3- أو بمعنى الطريق الواضح" . ومن خلال تتبعنا لمادة كلمة (نبي) من خلال المصادر اللغوية، يُمكننا القول بأن تلك المعاني الثلاثة تصح قي حق (النَّبِي)فهو مُنبأ من الله ومُنبِئ عن الله، ب‌) النبوة في الاصطلاح: كان له شرع مجرداً أم لا، كان له نسخ لشرع من قبله أو بعضه أم لا" . وأما الرسالة: فقد عرفها الإمام (التفتازاني): بأنها" سفارة العبد بين الله وبين ذوي الألباب من خليقته ليزيح بها عللهم فيما قصرت عنه عقولهم عن مصالح الدنيا والاخرة " ت‌) تعريف النبوة عند الشيخ جمال الدين القاسمي: هي: منحة ربانية واصطفاء إلهي يختار الله -عز وجل – لها عبد من عباده يُوحي إليه بشرع ويأمره بتبليغه للناس، لهدايتهم وإخراجهم من الظلمات إلى النور ، ومن ضلالات الوثنية والشرك إلى عبادة الله و توحيده، أي : " الذين أنبأهم الله أكمل الاعتقادات والأحكام وأمرهم بإنبائها الخلق كلا بمقدار استعداده" ، وأيضا من تفسيره لقوله تعالى: ( أولئك الذين ءاتيناهم الكتاب والحكم والنبوة) حيث ذكر أن المراد بـ(ءاتيناهم ) " أي . التفهيم التام بما فيه من الحقائق والتمكين من الإحاطة بالجلائل والدقائق" ، كما ذكر عند تفسيره لقوله تعالى : (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن عبدوا الله واجتنبوا الطاغوت)" "وبعث في كل أمة أي في كل قرن وطائفة من الناس رسولًا ، وكلهم يدعو إلى عبادة الله وينهى عن عبادة ما سواه . فلم يزل تعالى يرسل إلى الناس الرسل بذلك منذ حدث الشرك قي بني ءادم ، من عهد نوح أول رسول إلى أهل الأرض إلى زمن خاتم النبيين صلوات الله عليه وعليهم ودعوة الكل واحده " "فكل نبي بعثه الله يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له " ، ومن خلال ما سبق: يتبين لنا أن النبوة عند شيخنا (القاسمي)-رحمه الله- هي: منحة ربانية واصطفاء إلهي يختار الله -عز وجل – لها عبد من عباده يُوحي إليه بشرع ويأمره بتبليغه للناس، فقد وهب الله -تعالى – أنبيائه الفهم التام للحقائق، ومكنهم من الإحاطة بالجلائل والدقائق، وكل هذه المعاني تتفق مع كلام أهل السنة والجماعة. ثانيا: حاجة البشر إلى الرسالة وعجائب خلقته، وغير ذلك مما يعلمه من تفكر فيه ، صار كأنه أشهدهم بقوله" ، وذكر القاسمي: أنّ الآية هي من باب التمثيل المعروف في كلام العرب ، فعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه – قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم –" ما من مولود إلا يولد على الفطرة ، هل تحسون فيها من جدعاء ؟ثم يقول أبو هريرة -رضي الله تعالى عنه- (فطرت الله التي فطر الناس عليها )" ، إلا أنّ الشياطين استطاعت أن تغير هذه الفطرة وتحيد بها عن الحق ، لذا كانت حاجة الناس إلى إرسال الرسل حاجة ضرورية أشد من حاجتهم إلى الطعام الذي يأكلونها ومن الماء الذي يشربونه ، بل إن شئت فقل أشد من حاجتهم إلى الهواء الذي ينفسونه، لا الحصر: ولكنّ العقل البشري يتصف بالقصور، ويعتريه النقصان، فنجده مثلا عندما يحث عن إله يخضع له ويُدين لا يصل في كثير من الأحيان إلى معرفة الصواب ، فكثيرا ما سمعنا عن الذين يعبدون الكواكب ، والأخلاق، والعقائد، ولكنَّه إذا عُرِفَ فَهِمَ وصدّق وانتفع بالسماع فيجتنب ما يُهلكه ويقصد ما يُسعده" . ذكر القاسمي عند تفسيره لهذه الآية: "أشارت الآية إلى بيان حاجة البشر إلى إرسال الرسل، وإلى وظيفتهم عليهم السلام " ، ثم يذكر قول العلامة الشيخ (محمد عبده) في بيان أهمية حاجة البشر إلى الرسل في ( رسالة التوحيد) :"أفليس من حكمة الصانع الحكيم الذي أقام أمر الإنسان على قاعدة الإرشاد والتعليم . أن يجعل من مراتب الأنفس البشرية مرتبة يُعَد لها بمحض فضله ، ثم يتلقون من أمره أن يحدثوا عن جلاله . وأن يبينوا للناس من أحوال الآخرة ما لابد من علمه . وأن يبلغوا عنه شرائع عامة تحدد لهم سيرهم في تقويم نفوسهم وكبح شهواتهم وتعلمهم من الأعمال ما هو مناط سعادتهم وشقائهم . مسألة حكم إرسال الله تعالى للرسل من القضايا المركزية في علم الكلام؛ والتحسين والتقبيح العقليين، ومن هنا كان اختلاف المدارس الكلامية في تحديد حكم إرسال الله -تعالى – للرسل، أم أنه من الأمور الجائزة عقلا واجبة سماعا؟، أم أنه من قبيل اقتضاء الحكمة دون إطلاق لفظ الوجوب؟، أولا: رأي المعتزلة: ذهبت المعتزلة إلى القول بأنَّ إرسال الرسل أمر واجب على الله -تعالى – وجوبا عقليا، لا على معنى الإلزام من الخارج، فالله -سبحانه وتعالى – حكيم لا يخلّ بما هو أصلح للعباد، وكذا بناء على قولهم بإقامة الحجة على العباد يوم القيامة" . وأنه محض فضل من الله -تعالى – على عباده؛ وذلك بناءً على قولهم بنفي التحسن والتقبيح العقليين، فالله-تعالى - يفعل ما يريد بحكمة لا على جهة الإلزام" . ثالثا: رأي الفلاسفة: وذلك لكونه سببا في الخير العام الذي يستحيل تركه في الحكمة والعناية الإلهية" . رابعا: رأي البراهمة: أنكرت البراهمة بعثة الرسل وجحدوها عقلا، إذ يستحيل في حقه – تعالى – عدم إرسال الرسل لاستحالة السفه عليه، سادسا: رأي القاسمي: ذهب شيخنا (القاسمي ) -رحمه الله- إلى القول بأن إرسال الرسل من مقتضيات الحكمة الإلهية ، فهي ليست واجبة عقلا على الله تعالى ؛ وذلك لإقامة الحجة عليهم فلا يحتجوا بالجهل ، فيذكر عند تفسيره لقوله تعالى : ( رسلاً مبشرين ومنذرين)" ، "(رسلا) أي كل هؤلاء النبيين أرسلناهم رسلا (مبشرين) بالجنة لمن آمن (منذرين) بالنار لمن كفر (لئلا ) لكيلا (يكون للناس على الله حجة بعد الرسل). وإنما سميت حجة مع استحالة أن يكون لأحد عليه. حجة في فعل من أفعاله ؛ بل له أن يفعل ما يشاء كما يشاء للتنبيه على أن المعذرة في القبول عنده تعالى بمقتضي كرمه ورحمته لعبادة بمنزلة الحجة القاطعة التي لا مرد لها" ،