بداية العصور التاريخية ( أو عصر بداية الأسرات والعصر العتيق – في أوائل القرن الـ ۳۲ ق. يبدأ احتساب العصور التاريخية لكل شعب قديم ببداية اهتدائه الى استخدام أشكال وعلامات كتابية محددة في تسجيل شئون تاريخه ( أهم أحداثه وأعماله ومعارفه وعلومه وعقائده و آدابه ومعاملاته ) وقد تقترن هذه البداية الكتابية بأحد اعتبارین آخرین أو كليهما ، كما حددتها بعض المراجع التاريخية الحديثة بسنة ۲۲٠٠ او ۳۱۰۰ مثلا بغير دليل صريح ) و آثرنا اطلاق توقيت بدايتها بأواخر الألف الرابعة قبل الميلاد أو على أحسن تقدير بأوائل القرن الـ ۳۲ ق . ثم طريقة أخرى تصويرية أو تصورية تطورت في مراحل متوالية يمكن القول عنها في ايجاز شديد انها بدأت بصور مادية ، وأخيرا بلغت غاية تطورها بابتداع أشكال أخرى متنوعة يعبر كل شكل منها عن حرف واحد من أربعة وعشرين حرفا هجائيا ، وهى أشكال حروف لم تعرف بقية الكتابات القديمة التالية أمثالها الا بعد قرون طويلة وسجلت الكتابة المصرية حين اكتمالها مع بداية عصورها التاريخية بخطين جمعا بين الصور المادية والمقاطع الصوتية والمخصصات والحروف الهجائية معا بناء على اكمال كل منها للآخر ، وظل أول الخطين يتميز بالتصوير المتقن وطابع الزخرف ‏f‏ و تنقش به النصوص التقليدية على الأحجار والأخشاب والمعادن بينما اتجه الخط الثاني الى اختصار الصور في أشكال سريعة الأداء وسجلت بها بقية الشئون اليومية والمدنية على صفحات البردى والجلود وقطع الفخار ولخاف الأحجار . ويمكن تقريب الفارق بين هذين الخطين تجاوزا الى الفارق الحالي بين خطوط اللافتات والكتب المطبوعة وخط الرقعة اليدوى السريع . من نظم الحكم والادارة في عصر بداية الأسرات : سبق التنويه باعتبار هذا العصر بداية للعصور التاريخية على اساس بدء وجود المصادر الخطية بين آثاره واستقرار الوحدة. وربما أضيفت الى هذه التسميات أيضا تسمية العصر الثني » التي خصصها له المؤرخ المصرى مانيتون نسبة الى مدينة ( ثنى ) التي يبدو أنها كانت مسقط رأس أوائل ملوكه أو مقر دفنهم وتعاقب خلال هذا العصر ملوك الأسرتين الأوليين من الأسر المصرية الحاكمة . بدأت أولاهما بالملك ( نعرمر » الذي يحتمل أنه تلقب بلقب « عحا » أى المحارب اعتزازا بجهوده العسكرية في توطيد حكمه ، وهكذا تركزت السلطات العليا للدولة في قصره الذى يسمى ( برعو » أو « بر نيسو » وعرف كل ملك بثلاثة القاب في هذا العصر وهى : اللقب الحوري الذي يؤكد صلته بالمعبود حور رب الدولة ويعتبره وريثه الذي يحكم باسمه ويتجسد شخصيته . ثم ( اللقب النيسوبيتي » الذي يؤكد صلته أيضا بالشعارين المقدسين القديمين لكل من الوجهين فلفظ غير أن القول بمثل هذه السلطات الرسمية شبه المطلقة لرأس الحكى المصرى القديم، بل ما زال هذا هو حال لغة الصحافة المعاصرة حين تتحدث مثلا عن سياسة البيت الأبيض الأمريكي وتعنى بها سياسة رئيس الولايات المتحدة أو كبار مستشاريه ومع مر الزمن وربما منذ أواسط الدولة الحديثة في مصر القديمة جرى العرف على اطلاق لفظ « برعو » على كل ملك مصرى الى جانب اسمه الشخصى ، وذلك الى جانب الغرض العملى من توزيع مسئولية الاشراف على موارد ومصارف البلاد الواسعة بين ادارتين ماليتين كبيرتين واعتمدت موارد بيتي المال هذين على تحصيل الضرائب العينية التي كانت تدور حول نسبة العشر من كافة مصادرها 4 ثم الانفاق منها على مشروعات الدولة والملك ومرتبات مختلف الموظفين، فضلا عن المطالب العسكرية والدينية و تميز من اجراءات العصر الرئيسية رصد ارتفاع فيضانات النيل عاما فعاما واجراء احصاء كبير كل عامين للسكان أو للمزروعات أو للمواشى . أما من حيث عاصمة العصر فقد تركزت السلطات العليا في مدينة انب حج » أي مدينة الجدار الأبيض أو السور الأبيض وهي التي اشتهرت فيما بعد باسم ( منف ( تيمنا باسم هرم الملك ببي الأول أكبر ملوك عصر الأسرة السادسة . وبذلك جف ما حولها وأصبح النيل يحميها من الشرق وفرعه يحميها من الغرب والقناة الجديدة تحميها من الشمال . وانما سوروها كذلك بسور أو أسوار من كل جوانبها ما خلا ناحية الجنوب التي واجهت الصعيد ونسب كهنة منف الألوهية الكبرى الى معبودهم « بتاح » الذي قد يعنى اسمه معنى الخالق أو الصانع أو الفتاح . وكان من أوائل المعبودات المصرية التي صورت بصورة بشرية كاملة منذ ما قبل الأسرات وشاركه بعض الأهمية في منطقته المعبود سكر ) الذي اعتبر من رعاة الحرث والزراعة ورعاة الموتى ، في جبانة منف التي نسبت اليه فى اسمها الشائع وهو سقارة وتعمد كبار كهنة منف أن يكفلوا لعاصمتهم زعامة الفكر والعقيدة الى جانب ما توافر لها من زعامة السياسة والادارة ، وعملوا على اقناع الناس بأنه كان لاله مدينتهم ( بتاح » الأثر الأصيل الأول فى خلق الوجود والموجودات ، وهكذا خرج فقهاءانب حج أو منف بمذهب خاص بقيت له نسخة متأخرة الزمن سجلت على لوحة حجرية في عهد الملك شاباكا في نهاية القرن الثامن ق. فرد خلق الوجود وما احتواه الى قدرة عاقلة مدبرة آمرة تمثلت في المعبود الأكبر بتاح الذي أوجد نفسه بنفسه وأبدع الوجود ومعبوداته وناسه وحيواناته وديدانه عن قصد منه ورغبة . واقتربوا بذلك الى حد ما من قول التنزيل الحكيم ( اذا قضى أمرا فانما يقول له كن فيكون ) ولم يعتبروا ربهم خالقا فحسب وانما اعتبروه مشرعا وعادلا أيضا . وبرروا ذلكبأنه خلقهم من نفسه وتعهدهم وأمر بعبادتهم والاهتمام بمعابدهم باعتبارهم صورا منه امتازت أهم مقابر سقارة ) فى عصر بداية الأسرات ) بضخامتها النسبية وبقاء أغلب أجزائها اللبنية العلوية ، وتضمنت حجرات قليلة منحوتة في الصخر حول حجرة الدفن تحت سطح الأرض وحجرات أخرى كثيرة داخل بناء المصطبة فوق سطح الأرض . و تعاقبت فى واجهاتها الأربع دخلات أو مشكاوات رأسية تفاوتت في اتساعها وفى مدى اتقان بنائها من مصطبة الى أخرى . وظهر تجديد مهم فى مصطبة رجل يدعى نبت كا » حيث بنى جزؤها العلوى على هيئة مسطح افقى متسع تؤدى اليه درجات متعاقبة طويلة ضيقة من جهاته الأربع مما جعل المقبرة على هيئة المصطبة المدرجة . ثم ظهر تجديدان آخران في بناء المصطبة لتدعيم جوانبها وحماية المدخل المؤدى الى جزئها الأسفل حيث توجد حجرة الدفن ونفذ ذلك ببناء اضافة لبنية احاطت بالمصطبة من كل جهاتها الأربع ولكنها قلت ارتفاعا عنها وأزادت سمك أسافل جدرانها .