البنى المعيارية لعروض المسرح المدرسي أولاً: المخرج رغم أنَّ وظيفة المخرج المسرحي هي تجسيد النص الدرامي بواسطة العناصر البصرية والحركية على خشبة المسرح وفقاً لرؤى فنية يجترحها المخرج بما يتناسب والاتجاه أو المذهب الذي ينتمي إليه النص الدرامي " مستفيدٌ من قدراته التقنية ومهارة تحليله للنص واختياره لعناصر العرض المسرحي"(33). إلا أن هذه الوظيفة ضمن نطاق المسرح المدرسي لم تُمَارَس مثلما قُدِّرَ لها أن تكون، فالمخرج في المسرح المدرسي مرتهن الى معايير (تنظيرات) فنية تمت صياغتها من قبل المختصين وفقاً لرؤى علمية تلتقي والواقع النفسي لدى كل فئة من الفئات العمرية التي ورد تصنيفها آنفاً . وبهذا يستطيع المخرج أن يحدث تغيراً في البيئة المدرسية بحيث تصبح بيئة إنسانية تكون الفنون فيها أدوات للتعلم فضلاً عن جوهرها بحد ذاته، ويكون ذلك من خلال" احتكاكه المباشر بالموضوعات المدرسية وفهمه لطبيعة تلك الموضوعات سواء أكانت إنسانية أم علمية وكيفية تحويلها إلى صيغ مسرحية تلائم المجموعة التي يتعامل معها" (35). لكي تأخذ دورها في عملية بناء التلاميذ والطلبة وإطلاق قدراتهم الإبداعية والإسهام في تنمية شاملة لهم. إنَّ أهم ما يصادف المخرج في إخراجه للعمل المسرحي المدرسي هو اختياره الأسلوب الملائم وآلية توظيفه بما يتناسب والخصائص التي تتمتع بها كل فئة من الفئات العمرية لجمهوره. ثم استقطاب الفكرة الرئيسية التي يود التركيز عليها، وفي ضوء ذلك يتسنى للمخرج فهم رسالته التي تنطوي على تقديم عروض مسرحية تساعد التلاميذ والطلبة على فهم الواقع المسرحي بإطار فني مقنع عبر مغادرته" منطق الكبار والصور الاجتماعية المركبة وتعقيدات القصة المسرحية" (37) . إن معرفة المخرج الغنية بخصائص الفئات العمرية للطلبة تمنحه فرصة أكبر في ممارسة دوره الفني من حيث تعامله مع ممثليه، إذ يُخْضِع المخرج آلية تعامله مع الممثل إلى دراسة تتوخى المعرفة العلمية لخصائص كل فئة من الفئات العمرية والدراسية في المسرح المدرسي، ففي المرحلة الابتدائية يقتصر دور المخرج على" توجيه العمل وانسحابه المتحرر من عفوية الأطفال أي مساعدتهم وتركهم، إذ يتمكنوا من الاعتماد على أنفسهم في بعض اللحظات" (38). فالطفل في هذه المرحلة قادر على تصوير الأشياء في مخيلته ورسمها وفق رغباته من خلال قدرته على ربط الفكرة وتماسكها وربط الملاحظات والاجتهادات التي يأتي بها من زميله فيصبح عبر رغبته في التقليد ومتعته فيه المخرج والمنظم لعمله وأدائه وتحركه على خشبة المسرح فيما يبقى الإرشاد والإيضاح والتفسير على المخرج لاكتمال الصورة (39). لا سيما في المراحل الأولى منها ، فهو واحد من أهم الوسائل والطرائق الأكثر فعالية التي تتيح له الفرصة لإطلاق قواه الذاتية من خلال الاكتشاف الذاتي، فالمتعلم وعلى اختلاف مراحله العمرية يمتلك طاقات فكرية وحركية غالباً ما تكون زائدة عن مقررات المنهج الدراسي, ويؤول إلى النشاط التمثيلي مهمة الكشف عنها وتوظيفها في تنمية شخصيته وإعداده لفهم العالم من حوله " ففي المرحلة الابتدائية يعد التمثيل مرحلة اكتشاف العالم الخارجي للطفل ويكون نشاطه لأجل ذاته والآخرين في معرفة استيعاب العالم الذي يعيش فيه. أما في مرحلة النشوء فيتبلور التمثيل ويميز الناشئ العالم المعروض بشكل واضح حيث تظهر الرغبة في عرض ما يقدمه للمشاهد" (41). يرى الباحث ضرورة معرفة نوعية الممارسة المسرحية التي يتلقاها المتعلم ومدى مناسبتها مع كل مرحلة عمرية حيث يكون المسرح هنا نظاماً معرفياً مبنياً على كيفية التقديم سواء تعلق الأمر هنا بكون هذا المتعلم هو الممارس الفعلي للمسرح أو كان هو متلقيه(42). ومهمة التمثيل هنا توظف في إيصال مواضيع كأن تكون تاريخية تُدَرَّس في الكتب المنهجية وذلك بتحويلها إلى أحداث ممارسة يدركها الطفل كحوار بين شخصيات" (43) . وهنا نجد أن الحركة والمظهر يكون كل منهما مشوقاً وسريع التأثير على التلميذ ومساعداً له على ترسيخ المعلومات كونهما يأتيان بشكل محسوس ومنظور، كأن يُتَصور التأريخ شخصاً أشيب مسناً ذا لحية بيضاء يتوكأ على عصا ويتحاور مع الأشخاص الذين يختارهم المعلم ويتحركون حوله ويسألونه وهو يجيب في حوار سهل وهادف يحمل حقائق علمية عن المادة المختارة (44). إن هذا اللون من العروض المسرحية غالباً ما نجده متجذراً في نشاطات المرحلة الابتدائية المسرحية، وهذا ما تفرضه طبيعة نمو المتعلم في هذه المرحلة حيث يتوق فيها لان يعرض خبراته التي تدور في مخيلته سواء كان ممثلاً أو متفرجاً ولذا نجد أن الطالب يشترك اشتراكاً كاملاً في الخبرة المسرحية كما لو كان جزءاً لا يتجزأ من النشاط التمثيلي ذاته ، ومن هنا يكون من الجدير تدريب المتفرجين من خلال إشراكهم في النشاط التمثيلي إشراكاً كاملاً كممثلين وقادة ومديري مسرح ومصممي ديكور وأزياء، بحيث يحتفظ الطالب في هذه المرحلة بكثير من النشاطات المتنوعة التي اكتسب البعض منها خلال خبراته السابقة في مرحلة الابتدائية (45). إنَّ التدريب على أداء الشخصية وفي أجواء اقرب إلى مسرح الكبار مع فارق الأهداف التي يصبو إليها المسرح المدرسي يتيح للطالب الفرصة لان يكون على مساس بالحقائق الرئيسة في الحياة ومن ثم الإحساس بالشخصية التي يؤديها. وهذا لن يأتي إلا من خلال التدريبات التي تفجر طبيعة الاستعداد عنده والتي يقوم بها المخرج من خلال مراعاة الجوانب التقنية والتربوية التي يتضمنها العرض المسرحي(46). فعندما يقوم الممثل بدور طائر أو حيوان في مسرحية بشرية، إنَّ هذا اللون من الاداء التمثيلي المدرسي يُظهر لنا على سطح البحث ميزة جديرة بالاهتمام تتمثل بالعلاقة التبادلية بين أداء الممثل (المتعلم)، و (فن الإلقاء)، ويعد هذا الاخير وسيلة غاية في الأهمية، إذ يتمكن المتعلم من خلال التدريب على فن الالقاء من " تصوير المعاني بالألفاظ ومن خلال التعبير عن المعاني ينال الحوار رونقاً وجمالاً بحيث يكون سهل الفهم ذا إيقاع موسيقي جميل له وقعة الحس في إذن المستمع" (48). ومن ثم نقل أفكار الممثل ومشاعره إلى الجمهور المعني . التقنيات المكياج، الموسيقى، إذ تعد هذه التقنيات البصرية منها والسمعية مُشَغِّلات حسية يتسنى للمتعلم النظر من خلالها الى العالم الخارجي بمنظار آخر يحمل معه كل ألوان المتعة والبهجة. أولاً: الديكور يعد الديكور أحد العناصر الأساسية في العرض المسرحي ، فهو يسهم في تجسيد الهدف العام لمضمون العرض المسرحي، ويتميز الديكور في المسرح المدرسي ببساطة عالية ويحفل بالألوان التي تثير خيال المتعلم وتشوقه للمشاهدة ، ومنها ما يدل على العصر الذي تعيش فيه شخصيات القصة، فمنظر القصور القديمة مثلاً يدل على حقبة زمنية غابرة ، تجري الأحداث أثناءها (51) . ولكي تتحقق مثل هكذا سمة أساسية ينبغي أن يتصف الديكور في المسرح المدرسي بالصفات الآتية: (52). 1. أن يكون الديكور مناسباً لجو المسرحية ومعبراً عن أفكارها ومعانيها ببساطة . 5. أن يكون مرئياً من قبل المشاهدين بكل سهولة ويسر. ثانياً: الإضاءة فهي تعمل" على خلق جو ساحر يعيش فيه الممثلون وتتأكد فيه شخصياتهم، ولهذا نجد أن مصمم الإضاءة لا سيما في حقل المسرح المدرسي يحتاج إلى خبرة كافية لتصميمها في العروض المسرحية من حيث كثافة الضوء واختيار اللون المناسب حتى يتمكن من ايصال المعنى، فالإضاءة هنا لا تقتصر مهمتها على مجرد إضاءة خشبة المسرح ليشاهد المتعلم ما يجري عليها من أحداث بوضوح، بل تتعداها إلى تصوير الجو العام للمسرحية عبر توظيف الألوان التي تؤثر في نفسيته ومن ثم تحريك مخيلته نحو ما ترمز إليه هذه الألوان، فضلاً عن تعريف المتفرج بالتغير الزمني الذي يحدث أثناء التمثيل، فالألوان إذن ومدلولاتها ووظائفها وخواصها المختلفة تعكس جانباً مهماً من فكرة المسرحية على سيكولوجية الأطفال باختلاف مراحلهم العمرية، ولا شك أنَّ استخدام الشكل المثالي للإضاءة في المسرح المدرسي يبعث الحياة في المادة المدرسية فتنساب الحقائق في نفوس الأطفال بسهولة . وغالباً ما يأخذ هذا الشكل دوره في العروض المسرحية المخصصة للفئات العمرية التي تتراوح بين (6 8) و(9 12) سنة، إذ تسعى الفئات العمرية هذه وعبر ما يوحي إليه القناع الذي ترتديه الشخصية الى خلق نوع من التماهي معها، ومن ثم النزوع الى رغبة شديدة في محاكاة كل ما تحمله هذه الشخصية من قيم تربوية وجمالية(57). فيتمثل بالمواد الصبغية والألوان التي يستخدمها مصمم المكياج لتجسيم وجه الممثل في حدود الممكن وغير مبالغ للمحافظة على صفات الشخصية التي يؤديها الممثل" فالأجزاء المراد أن تبدو غائرة تصبح بلون قاتم. والأجزاء المراد إبرازها تصبح بلون فاتح" (58). إذ تتميز هذه الفئة بقدرتها على فهم الصور المسرحية التي تجسدها الشخصيات كون هذه الأخيرة هي من الواقع المعاش وليست من محظ الخيال. رابعاً: الملابس تعد الملابس بوصفها عنصراً مكملاً لعناصر العرض المسرحي واحدة من تلك التقنيات التي تسعى الى وضع المتعلم في جو مثالي من شأنه أن يحقق الهدف الجمالي الذي يرنو إليه هذا الحقل، إن هذه الميزة التي تتمتع بها (الملابس) تفرض بنحو أو بآخر على مصمم الازياء والمخرج الامر سيان نوع من الشِّرعة التي لا مناص من اعتمادها في تحديد شكل الزي الذي ستؤدي الشخصية دورها به، فلا يصح أن ترتدي الشخصية قبعة من القرن العشرين وقميصاً من القرن السادس عشر وهذا ما يجب على المخرج أن يتجنبه برجوعه إلى مراجع من كتب المدرسة أو إحدى المكتبات العامة للتعرف على طبيعة الملابس في العصر الذي يحتاج إليه" (60). أن طبيعة الملابس وشكلها وألوانها لها دلالات مرتبطة الى حد ما بدلالات العرض المسرحي الأخرى، بل هي تؤكد تلك الدلالات. ولا سيما الالوان الزاهية والبراقة التي تأتي متناسقة مع بقية عناصر العرض المسرحي محققة في ذلك الاثر النفسي الذي تتركه هذه الالوان في نفوس الاطفال عبر ما تحمله من دلالات جمالية وتربوية . خامساً: الموسيقى تشكل (الموسيقى) أو (المؤثر الصوتي) في المسرح المدرسي حلقة الوصل بين تقنيات العرض المسرحي ، إذ تستخدم هذه التقنية في خلق الأجواء النفسية التي تنسجم مع مسار الحدث المسرحي من فرح وحزن وغضب فهي تثير خيال الطفل وتحفز ردود الأفعال لديه وتعمل على شد انتباهه نحو الحدث " من خلال الإيحاء بالجو الذي يتضمنه النص المسرحي، كما أنها تساعد على خلق الجو العام وخلق حالة وجدانية لدى المتفرج " (62). وضمن الرؤية المتقدمة هذه، نجد أن قيمة (الموسيقى) هنا تكمن في أنها تعمل على تحرير الطفل من مؤثراته الداخلية وتثير انفعالاته وتسهم في عملية التنشئة لديه لما لها من اثر عميق في تلطيف مشاعره وتهذيب إحساساته (63). فالتصميم العلمي للموسيقى والقائم على وفق هذا الاعتبار من شأنه أن يعمل على وضع المتعلم في جو نفسي يساعده على إدراك الإحداث المختلفة وتخيلها والإحساس بها ومن ثم يمنحه الفرصة للترقب والتنبؤ بالإحداث اللاحقة والانسجام معها. سادساً: الإكسسوارات والملحقات تتبنى هذه التقنية مهمة اكتمال الصور الذهنية لدى المتعلم ، ولهذه التقنية دلالة ثابتة تدعم دلالات العرض المسرحي الاخرى كتثبيت صفة الشخصية أو لخلق الحدث فضلاً عن الوظيفة الجمالية التي تؤديها في التشكيل الصوري للمشهد المسرحي . 2001) ص47. أبو الخير، المصدر نفسه : ص63 . 1975) ص ص 8 9 . ص189 .