يعترف المتخصصون في البحوث العلمية بأن البحث العلمي - على أهميته - ليس المصدر الوحيد لاستنباط المعرفة والوصول إليها؛ إذ إن هناك طرقاً عديدة استطاع الإنسان من خلالها في السابق - ولا يزال - الوصول إلى حقيقة الأشياء وكنهها، بل إن من تلك المصادر ما هو قطعي الثبوت في إيصال المعلومة وإيضاح حقيقة الأمور، ويجب التسليم بصحة ما ورد فيها دون قيد أو شرط أو حاجة إلى التحقق من محتواها متفوقاً بذلك على البحث العلمي؛ وذلك كالكتب السماوية التي نزلت من عند الله سبحانه وتعالى، وكذلك ما جاء في الأحاديث الصحيحة التي وردت عن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم. ونحن إذا استثنينا تلك المصادر قطعية الثبوت وما يستند عليها من نتاج علماء الدين فإنه يمكن القول: إن ما عداها تظل مجرد أفكار واجتهادات تصيب أحياناً وتخطئ أحايين أخرى، ونظراً لعدم عصمة مثل هذه المصادر من الخطأ أصبح لزاماً البحث عن أسلوب يمكنه أن يقلل من هذا الخطأ قدر الإمكان، ويقرب من إعطاء تفسير دقيق للظاهرة ويجليها، تذكر مراجع البحث العلمي بأن قدماء الفلاسفة كانت لهم أساليب مميزة في التوصل إلى المعرفة مثلت - ولفترة طويلة من الزمن - أسلوباً من أساليب تفسير الأشياء والتعرف على خفاياها، من أهم تلك الأساليب طريقة أرسطو في دراسة الظواهر وشرحها التي اعتمد فيها بشكل أساسي على أسلوب الاستنتاج (۱). والمقصود بالاستنتاج Deduction : استخدام العموميات للوصول إلى حكم على الجزئيات، أن يرى أحد الأشخاص أن وسائل الإعلام خطرة على السلوك، وحيث إن الفيديو وسيلة إعلامية يقرر بأن الفيديو خطر على سلوك الإنسان. طور أحد الباحثين (فرنسيس بيكون أسلوباً آخر يعاكس أسلوب الاستنتاج يسمى بالاستقراء Induction ، وهو ما يعرف بتتبع الباحث الجزئيات للوصول منها إلى حكم كلي، ولا يفوتنا القول بأن عدداً كبيراً من علماء الإسلام كانوا سباقين إلى تقنين وتطوير أساليب بحثية دقيقة سبقوا بها غيرهم بمن فيهم بيكون (القرن السابع عشر) في رسم أسس بحث علمي يلبي حاجاتهم في الأمور التي لا يمكن القطع بثبوتها؛ وذلك كما فعل علماء الحديث الذين فطنوا إلى ضرورة وضع آلية مقننة تمكنهم من تصنيف الأحاديث إلى فئات متعددة تحدد مستواها ودرجات صحتها. وعلى الرغم من أن بعض أساليب البحث العلمي قد استخدمت بشكل ملموس إلا أن البحث العلمي لم يظهر كعلم مستقل له أسسه وضوابطه ليصبح مادة رئيسة يشترط الإلمام بها في الجامعات والمعاهد، أما سبب الاهتمام به فيعود لكونه مصدراً مهماً من مصادر المعرفة المجردة