وأظهرت في ذلك ما تستطيع الأم أن تفعله لابنها بالصبر والإرشاد والمرافقة الودية. فكان توماس يجلس في الصف ويقضي وقته في رسم الصور والتطلع فيما حوله، وذات يوم زار المفتش الصف فشكا الأستاذ إليه حالة إديسون، وعلم توماس أن كلمة (فاسد تُستعمل عادة لوصف البيض غير الصالح، وأن البيضة الفاسدة يكون صغارها وبياضها مختلطين ولا يمكن أن يخرج منها فرع دجاج، وعندما وصل إلى البيت أبلغ أمه أن الأستاذ وصفه بأنه فاسده، فأمسكت بيده وذهبت به إلى المدرسة لمواجهة الأستاذ. وقالت له: إنك لا تعرف معنى ما تقول، وكل المشكلة ناشئة عن أن ابني أذكى منك. كان إديسون يحب أن يروي قصة حياة «غاليليو» ذلك العالم الإيطالي العظيم الذي عاش في القرن السابع عشر. وذات يوم دعا العالم عدداً من الأساتذة والطلاب ليلاقوه فى ساحة بيزا) الكبرى، وعبر رحلات خيالية فى البلدان الأخرى - كان يسير فيها الفتى مع مجاري الأنهار اية عمر ويتسلق قمم الجبال، يكن يجد صعوبة في استيعاب مختلف الأمور، تتعبه لأنه لم يكن يجد لذة في الأرقام. إنني أستطيع دائماً أن استخدم المختصين في الرياضيات ولكن وقد عُنيت نانسي إديسون بتقويم خلق ابنها كما عُنيت بتدريب عقله. حتى أنه أخذ يمنحه مبلغاً صغيراً من المال مقابل كل كتاب يطالعه ويُحسين فهمه. وقد أعجب بشكل خاص برواية روبنسون کروزو» و «أوليفر تويست»، وكان توماس شديد الحرص على أن يتعلم كل ما يمكنه في حقل الكهرباء وفي حقل الكيمياء. وكثيراً ما كان ينضم إليهما بقية أفراد العائلة الذين يسرهم الاستماع إلى فيض من المعلومات تتدفق من فم تلك المربية المثالية. وحين كان الجميع ينصرفون إلى التسلية ببعض الألعاب كان ذهن توماس يبتعد عن اللعب بحثاً عن حقول جديدة للمعرفة. وكنت أمر عدة مرات في اليوم الواحد أمام منزل آل إديسون بحديقته الرائعة وزهوره الفواحة. ويتخذان من الرواق المسقوف في مدخل المنزل مكاناً أشبه بالمدرسة - لكنّها مدرسة لا يغشاها إلا تلميذ واحد! أما أخو توماس وأخته فكانا يذهبان إلى المدرسة الرسمية. ولقد قال توماس إديسون مرة لأحد أصدقائه: ولقد اكتشفت باكراً في حياتي أي كائن طيب هي الأم. لقد دافعت أمي عني بقوة عندما وصفني أستاذ المدرسة بأنني فاسد. وفي تلك اللحظة عزمت على أن أكون جديراً بثقتها، كانت شديدة الإخلاص واثقة بي كل الثقة. وكنت أشعر أن لي إنساناً يجب أن أعيش من أجله، ولم يبد منها يوماً أنها تسيء فهمي أو تخطىء في الحكم علي. ولولا إيمانها بي لأمكن ألا أصبح مخترعاً أبداً. ولكن حزمها وعذوبتها وطيبتها كانت ذات أثر فعال قادني في الطريق الصحيح.