"حضارة اليوم طابعها الملل " العين تمل واللسان يمل والمعدة تمل . وغداً لا تجد من يشتريها. حتى في الفن والفكر. التأثيرية . كل مذهب ينتشر يفقد قيمته. الملل . كل جديد يصبح قديماً بمجرد تداوله. وكل لهفة تتحول إلى فتور ثم ضجر قاتل. وطريق الخلاص سيجارة وكأس ولفافة مخدر وقرص منوم وألف مسكن ومسكن للأعصاب و أبونيه عند أطباء الأمراض النفسية. لم يعد زبون الكباريه تثيره مفاتن الراقصة العارية التي كشفت له عن مفاتنها ثم دعته إلى شقتها. والملل يلتمس مهربا أخيراً في الشذوذ. ولا حل. وفي محاولة أخيرة يلجأ الزبون إلى مائدة القمار. عناوين الكتب . تصرخ نحن في عصر الملل. نحن في عصر الملل . تذكيها الإثارة . وحمى يؤججها التمنُّع والتدلُّل حتى يصل إلى الفراش فتهبط الحرارة ويشفي الحبيبـان ويستحمان في عرق العافية ويتحول الحب إلى عادة حميدة يعقبها دش مرطب وأكلة طيبة وأمل خبيث في مغامرة جديدة تنعش الذي مات من العواطف. النقود تثيرك طالما هي في جيب غيرك فإذا دخلت جيبك فقدت جاذبيتها. الشهادة حلمك وغايتك وأملك حتى تحصل عليها فتنسى أمرها تماماً. لماذا كل هذا الملل. لأننا فى عصر إفلاس القيم. قيمة الحب التي تُروّجها الأغاني والرويات سقطت وأفلست . المرأة طريق. نحن نحب المرأة الجميلة كطريق يوصلنا فيما بعد إلى محبة الجمال . المرأة نافذة إلى شيء وليست هدفاً نهائياً. وإذا اتخذناها هدفاً نهائياً كما تقول لنا الأغاني والروايات فأننا سوف نقتل هذا الهدف بحثاً في الفراش ولن يتبقى لنا شيء نجري وراءه. المرأة زيت يوقد المصباح لنرى على ضوئه أشياء أخرى غير المرأة . معان وقيماً ومثاليات نعشقها بلا ملل. وبدون مثاليات وبدون إيمان لا يمكن لحياة أن تعاش وحضارة هذا العصر سقطت لأن ما فيها من فكر مادي أسقط الأديان ولم يستطيع أن يُقيم لها بديلاً روحياً، إنه يقول لك أنك تستطيع أن تدخل الجنة بخمسين ليرة في الكازينو فترى حور العين من اللؤلؤ المكنون لابسات الحرير وترى أنهار من الخمر وأنهار من العسل وزيادة ذلك تستمتع بفرق أكروبات وتجرب حظك على مائدة الروليت. وفى المدرسة يعلمونك أن آدم ليس من تراب ولكن من أسلاف من جنس القرود وأنه سليل تطور انحدر من الحشرات وميكروبات المستنقعات. وبسقوط هيبة الأديان يقف الأنسان وحيداً بلا سند ولا أيمان في انتظار جودو الذي لا يأتي. كل ما يملكه حياة فانية بعدها التراب ولا شيء وهو يتحوّل بهذا دون أن يدري إلى يأس قاتم لا مخرج منه . وعطش لا ارتواء له . فهو ينتقل من لذة لا تروى . ولا شبع ولا نهاية. فهو قد اكتشف أن لاشيء حقيقي. الملل هو كل ما يتبقى له . وهو ملل لا علاج له إلا بالعودة إلى فكرة الروح إلى الإيمان بأن الإنسان لا يموت وأن في الدنيا قيم خالدة . وأن هناك حقيقة خلف عالم الظواهر والأوهام. حقيقة تبث في من يبحث عنها الحماس الذي لا حدود له . من أعمق الفصول التي أعجبتني بكتاب ( الشيطان يحكم )